وكسر الفرنج والأرمن على حارم وكانوا ثلاثين ألفا ، فقل من نجا ، وعلى
بانياس .
وكانت الفرنج قد استضرت على دمشق وجعلوا عليها قطيعة ، وأتاه
أمير الجيوش شاور مستجيرا به ، فأكرمه ، وبعث معه جيشا ليرد إلى منصبه ،
فانتصر ، لكنه تخابث وتلاءم ، ثم استنجد بالفرنج ، ثم جهز نور الدين رحمه
الله جيشا لجبا مع نائبه أسد الدين شيركوه ، فافتتح مصر ، وقهر دولتها
الرافضية ، وهربت منه الفرنج ، وقتل شاور ، وصفت الديار المصرية
لشيركوه نائب نور الدين ، ثم لصلاح الدين ، فأباد العبيديين ،
واستأصلهم ، وأقام الدعوة العباسية .
وكان نور الدين مليح الخط ، كثير المطالعة ، يصلي في جماعة ،
ويصوم ، ويتلو ويسبح ، ويتحرى في القوت ، ويتجنب الكبر ، ويتشبه
بالعلماء والأخيار ، ذكر هذا ونحوه الحافظ ابن عساكر ، ثم قال : روى
الحديث ، وأسمعه بالإجازة ، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة
الملك ما يبهره ، فإذا فاوضه ، رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره . حكى من
صحبه حضرا وسفرا أنه ما سمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره ،
وكان يواخي الصالحين ، ويزورهم ، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم ، وزوجهم
بجواريه ، ومتى تشكوا من ولاته عزلهم ، وغالب ما تملكه من البلدان تسلمه
بالأمان ، وكان كلما أخذ مدينة ، أسقط عن رعيته قسطا .
وقال أبو الفرج بن الجوزي ( 1 ) : جاهد ، وانتزع من الكفار نيفا
وخمسين مدينة وحصنا ، وبنى بالموصل جامعا غرم عليه سبعين ( 2 ) ألف
هامش
( 1 ) في " المنتظم " 10 / 248 ، 249 .
( 2 ) في " المنتظم " : ستين .