والخلاف ، وسمع الحديث ، وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي ، واشتغل
بالوعظ إلى أن برز فيه ، ثم لازم الخلوة والرياضة والمجاهدة والسياحة
والمقام في الخراب والصحراء ، وصحب الدباس ، ثم إن الله أظهره
للخلق ، وأوقع له القبول العظيم ، فعقد مجلس الوعظ في سنة إحدى
وعشرين ، وأظهر الله الحكمة على لسانه ، ثم درس ، وأفتى ، وصار
يقصد بالزيارة والنذور ، وصنف في الأصول والفروع ، وله كلام على لسان
أهل الطريقة عال . وكتب إلي عبد الله بن أبي الحسن الجبائي : قال لي
الشيخ عبد القادر : طالبتني نفسي يوما بشهوة ، فكنت أضاجرها ، وأدخل في
درب ، وأخرج من آخر أطلب الصحراء ، فرأيت رقعة ملقاة ، فإذا فيها : ما
للأقوياء والشهوات ، وإنما خلقت الشهوات للضعفاء . فخرجت الشهوة من
قلبي . قال : وكنت أقتات بخروب الشوك وورق الخس من جانب النهر ( 1 ) .
قال ابن النجار : قرأت بخط أبي بكر عبد الله بن نصر بن حمزة
التيمي ، سمعت الشيخ عبد القادر يقول : بلغت بي الضائقة في الغلاء إلى
أن بقيت أياما لا اكل طعاما ، بل أتبع المنبوذات ، فخرجت يوما إلى الشط ،
فوجدت قد سبقني الفقراء ، فضعفت ، وعجزت عن التماسك ، فدخلت
مسجدا ، وقعدت ، وكدت أصافح الموت ، ودخل شاب أعجمي ومعه خبز
وشواء ، وجلس يأكل ، فكنت أكاد كلما رفع لقمة أن أفتح فمي ، فالتفت
فرآني ، فقال : باسم الله ، فأبيت ، فأقسم علي ، فأكلت مقصرا ، وأخذ
يسألني ، ما شغلك ، ومن أين أنت ؟ فقلت : متفقه من جيلان . قال : وأنا
من جيلان ، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر ، يعرف بسبط أبي
عبد الله الصومعي الزاهد ؟ فقلت : أنا هو . فاضطرب لذلك ، وتغير
هامش
( 1 ) انظر " طبقات " ابن رجب 1 / 298 ، و " فوات الوفيات " 2 / 373 ، 374 .