سعد ، بعثه عمر على حمص ; فمكث حولا لا يأتيه خبره . فكتب إليه : أقبل
بما جبيت من الفئ . فأخذ جرابه وقصعته ، وعلق إدواته ، وأخذ عنزته ( 1 ) ،
وأقبل راجلا . فدخل المدينة ، وقد شحب ، واغبر ، وطال شعره . فقال :
السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال : ما شأنك ؟ قال : ألست صحيح
البدن ، معي الدنيا ! فظن عمر أنه جاء بمال ، فقال : جئت تمشي ؟ قال
نعم . قال : أما كان أحد يتبرع لك بدابة ؟ قال : ما فعلوا ، ولا سألتهم .
قال : بئس المسلمون ! قال : يا عمر ، إن الله قد نهاك عن الغيبة . فقال :
ما صنعت ؟ قال : الذي جبيته وضعته مواضعه ، ولو نالك منه شئ ، لأتيتك
به . قال : جددوا لعمير عهدا . قال : لا عملت لك ولا لاحد ، قلت
لنصراني : أخزاك الله .
وذهب إلى منزله على أميال من المدينة . فقال عمر : أراه خائنا ; فبعث
رجلا بمئة دينار ، وقال : انزل بعمير كأنك ضيف ، فإن رأيت أثر شئ ،
فأقبل ; وإن رأيت حالا شديدة ; فادفع إليه هذه المئة . فانطلق ، فرآه يفلي
قميصه . فسلم . فقال له عمير : انزل . فنزل . فساءله ، وقال : كيف أمير
المؤمنين ؟ قال : ضرب ابنا له على فاحشة ، فمات .
فنزل به ثلاثا ، ليس إلا قرص شعير يخصونه به ، ويطوون . ثم قال :
إنك قد أجعتنا . فأخرج الدنانير ، فدفعها إليه . فصاح ، وقال : لا حاجة لي
هامش
هل الحدث الحمراء تعرف لونها * وتعلم أي الساقيين الغمائم
سقتها الغمام الغر قبل نزوله * فلما دنا منها سقتها الجماجم
ويقول :
نثرتهم فوق الأحيدب كله * كما نثرت فوق العروس الدراهم
( 1 ) العنزة : عصا في قدر نصف الرمح أو أكبر يتوكأ عليها .
سير 2 / 36