الله صلى الله عليه وسلم غزوة إلا ورى بغيرها . فأراد في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبة
وكنت أيسر ما كنت ، وأنا في ذلك أصغو ( 1 ) إلى الظلال وطيب الثمار ; فلم أزل
كذلك ، حتى خرج . فقلت : أنطلق غدا ، فأشتري جهازي ، ثم ألحق
بهم . فانطلقت إلى السوق ، فعسر علي ، فرجعت ، فقلت : أرجع غدا .
فلم أزل حتى التبس بي الذنب ، وتخليت ، فجعلت أمشي في أسواق
المدينة ، فيحزنني أني لا أرى إلا مغموصا ( 2 ) عليه في النفق أو ضعيفا . وكان
جميع من تخلف عن رسول الله بضعة وثمانين رجلا .
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تبوك ، ذكرني ، وقال : " ما فعل كعب " ؟ فقال رجل
من قومي : خلفه يا نبي الله برداه والنظر في عطفيه . فقال معاذ : بئس ما
قلت ! والله ما نعلم إلا خيرا .
إلى أن قال : فلما رآني صلى الله عليه وسلم ، تبسم تبسم المغضب ، وقال : " ألم
تكن ابتعت ظهرك " ؟ قلت : بلى . قال : " فما خلفك " ؟ قلت : والله لو
بين يدي أحد غيرك جلست ، لخرجت من سخطه علي بعذر ، لقد أوتيت
جدلا ; ولكن قد علمت يا نبي الله أني أخبرك اليوم بقول تجد علي فيه ، وهو
حق ; فإني أرجو فيه عقبى الله .
إلى أن قال : والله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذا ( 3 ) مني حين تخلفت
عنك ؟ فقال : " أما هذا فقد صدقكم ، قم حتى يقضي الله فيك " فقمت .
هامش
( 1 ) أصغو : أميل .
( 2 ) بالغين المعجمة ، والصاد المهملة ، أي : مطعونا عليه في دينه ، متهما بالنفاق . وقيل :
معناه : مستحقرا ، تقول : غمصت فلانا : إذا استحقرته .
( 2 ) الحاذ : الحال .