مقصر ، والله يعفو عنه ، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك ،
ومن أنكر ذلك بعد العلم ، وقفا غير سبيل السلف الصالح ، وتمعقل على
النص ، فأمره إلى الله ، نعوذ بالله من الضلال والهوى .
وكلام ابن خزيمة هذا وإن كان حقا فهو فج ، لا تحتمله نفوس كثير من
متأخري العلماء .
قال أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه : سمعت ابن خزيمة يقول : القرآن
كلام الله تعالى ، ومن قال : إنه مخلوق . فهو كافر ، يستتاب فإن تاب وإلا
قتل ، ولا يدفن في مقابر المسلمين .
ولابن خزيمة عظمة في النفوس ، وجلالة في القلوب لعلمه ودينه ، واتباعه
السنة .
وكتابه في " التوحيد " مجلد كبير ، وقد تأول في ذلك حديث الصورة ( 1 ) ،
هامش
( 1 ) حديث الصورة ، أخرجه البخاري في " صحيحه " 11 / 2 في أول الاستئذان ،
ومسلم ( 2841 ) في الجنة : باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ، وأحمد :
2 / 315 ، وابن خزيمة في " التوحيد " 39 40 من طريق معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي
هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خلق الله آدم على صورته ، طوله ستون ذراعا ، فلما خلقه ، قال :
اذهب ، فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية
ذريتك ، فقال : السلام عليكم : فقالوا : السلام عليك ورحمة الله . فزاده : " ورحمة الله "
فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن " .
وأخرجه مسلم ( 2612 ) ( 115 ) وأحمد : 2 / 463 و 519 ، وابن خزيمة ص 37 من
طريق قتادة ، عن أبي أيوب المراغي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ، فإن الله خلق آدم على صورته " .
وأخرجه أحمد : 2 / 244 ، والآجري في " الشريعة " 143 ، والبيهقي في " الأسماء
والصفات " 290 من طريق سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة . .
وأخرجه أحمد : 2 / 323 من طريق المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد ، عن موسى
ابن أبي عثمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . . وأخرجه أحمد : 2 / 251 ، 434 ، وابن خزيمة
36 من طريق يحيى ، عن ابن عجلان ، عن سعيد ، عن أبي هريرة .
وأخرج البخاري في " الأدب المفرد " رقم ( 173 ) وابن خزيمة ص 36 من حديث ابن
عجلان ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا ضرب أحدكم فليجتنب
الوجه ، ولا يقل : قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك ، فإن الله خلق آدم على صورته " .
قال ابن خزيمة بعد أن أورد هذه الأحاديث : " توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله :
" على صورته " يريد صورة الرحمن ، عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر ، بل معنى
قوله : خلق آدم على صورته : الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم . أراد
صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب ،
والذي قبح وجهه ، فزجر صلى الله عليه وسلم أن يقول : ووجه من أشبه وجهك ، لان وجه آدم شبيه وجه بنيه .
فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم : قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك ، كان مقبحا وجه آدم
صلوات الله وسلامه عليه . ثم أورد حديث ابن عمر ، من طريق الأعمش ، عن حبيب بن أبي
ثابت ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عمر مرفوعا بلفظ : " لا تقبحوا الوجه ، فإن ابن آدم خلق
على صورة الرحمن " . ورواه أيضا من طريق سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن
عطاء مرسلا ، وقال : في هذا الخبر علل ثلاث ، أولاهن : أن الثوري قد خالف الأعمش في
إسناده فأرسل الثوري ولم يقل : عن ابن عمر . والثانية : أن الأعمش مدلس ، لم يذكر أنه
سمعه من حبيب بن أبي ثابت ، والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضا مدلس ، لم يعلم أنه
سمعه من عطاء " وانظر تمام كلامه فيه .
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " 11 / 2 3 في أول الاستئذان : " واختلف إلى ماذا
يعود الضمير ؟
فقيل : إلى آدم ، أي : خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط ، وإلى أن
مات ، دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى ، أو ابتدأ خلقه كما
وجد ، لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة .
وقيل : للرد على الدهرية أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ، ولا تكون نطفة إنسان إلا من
إنسان ، ولا أول لذلك ، فبين أنه خلق من أول الأمر على هذه الصورة .
وقيل : للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الانسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره .
وقيل : الضمير لله ، وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه " على صورة الرحمن "
والمراد بالصورة : الصفة ، والمعنى : أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع
والبصر وغير ذلك ، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شئ . وراجع ما كتبه الحافظ ابن
حجر أيضا عن عود الضمير في " صورته " في " الفتح " 5 / 133 ، و 6 / 260 .