علي الثقفي عقله ؟ فقال : ذاك عقل الصحابة والتابعين من أهل المدينة .
قيل : وكيف ذاك ؟ قال : إن مالكا كان من أعقل أهل زمانه ، وكان يقال : صار
إليه عقل الذين جالسهم من التابعين ، فجالسه يحيى بن يحيى النيسابوري ،
فأخذ من عقله وسمته ، ثم جالس يحيى بن يحيى محمد بن نصر سنين ، حتى
أخذ من سمته وعقله ، فلم ير بعد يحيى من فقهاء خراسان أعقل من ابن
نصر ، ثم إن أبا علي الثقفي جالسه أربع سنين ، فلم يكن بعده أعقل من أبي
علي .
قال عبد الله بن محمد الإسفراييني : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد
الحكم يقول : كان محمد بن نصر بمصر إماما . فكيف بخراسان ؟
وقال القاضي محمد بن محمد : كان الصدر الأول من مشايخنا
يقولون : رجال خراسان أربعة : ابن المبارك ، وابن راهويه ، ويحيى بن
يحيى ، ومحمد بن نصر .
ومن كلام محمد بن نصر قال : لما كانت المعاصي بعضها كفرا ،
وبعضها ليس بكفر ، فرق تعالى بينها ، فجعلها ثلاثة أنواع : فنوع منها كفر ،
ونوع منها فسوق ، ونوع منها عصيان ، ليس بكفر ولا فسوق . وأخبر أنه كرهها
كلها إلى المؤمنين ، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الايمان ، وليس فيها
شئ خارج عنه ، لم يفرق بينها ، فما قال : حبب إليكم الايمان والفرائض
وسائر الطاعات ، بل أجمل ذلك فقال : ( حبب إليكم الايمان )
[ الحجرات : 7 ] فدخل فيه جميع الطاعات ، لأنه قد حبب إليهم الصلاة
والزكاة ، وسائر الطاعات حب تدين ، ويكرهون المعاصي كراهية تدين ، ومنه
قوله عليه السلام : " من سرته حسنته ، وساءته سيئته ، فهو مؤمن " ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد في " مسنده " : 1 / 18 ، 26 ، والترمذي
( 2165 ) في الفتن : باب ما جاء في لزوم الجماعة من طريق محمد بن سوقة ، عن عبد الله
ابن دينار ، عن ابن عمر قال : خطبنا عمر بالجابية فقال : يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام
رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال : " أوصيكم بأصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو
الكذب ، حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد الشاهد ولا يستشهد ، ألا لا يخلون رجل
بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان . عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ،
وهو من الاثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة ، فليلزم الجماعة ، من سرته حسنته ، وساءته سيئته
فذلك المؤمن " . وسنده صحيح ، وصححه الحاكم : 1 / 114 ، ووافقه الذهبي ، وقال
الترمذي : حسن صحيح .