جزرة ، فكان الأطباء يختلفون إليه ، فلما أعياه الامر ، أخذ العسل
والشونيز ( 1 ) ، فزادت حماه ، فدخلوا عليه وهو يرتعد ويقول : بأبي أنت يا
رسول الله ، ما كان أقل بصرك بالطب .
قلت : هذا مزاح لا يجوز مع سيد الخلق ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم
الناس بالطب النبوي ، الذي ثبت أنه قاله على الوجه الذي قصده فإنه قاله
بوحي ، " فإن الله لم ينزل داء ، إلا وأنزل له دواء " ( 2 ) فعلم رسوله ما أخبر
الأمة به ولعل صالحا قال هذه الكلمة من الهجر ( 3 ) في حال غلبة الرعدة ، فما
وعى ما يقول ، أو لعله تاب منها ، والله يعفو عنه .
قال علي بن محمد المروزي : حدثنا صالح بن محمد : سمعت عباد
ابن يعقوب يقول : الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة . قلت :
ويلك ! ولم ؟ قال : لأنهما قاتلا عليا بعد أن بايعاه .
قال ابن عدي ( 4 ) : بلغني أن صالح بن محمد وقف خلف الشيخ أبي
الحسين عبد الله بن محمد السمناني ، وهو يحدث عن بركة الحلبي بتلك
الأحاديث ، فقال : يا أبا الحسين ! ليس ذا بركة ، ذا نقمة .
هامش
( 1 ) الشونيز : هو الحبة السوداء في لغة الفرس ، وانظر ما كتبه ابن القيم عن الشونيز في
" زاد المعاد " 4 / 297 300 .
( 2 ) أخرجه البخاري : 10 / 113 114 في أول كتاب الطب عن أبي هريرة مرفوعا ،
وأخرجه ابن ماجة ( 3438 ) في الطب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
وأخرجه أبو داود في الطب ( 3855 ) عن أسامة بن شريك قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ،
وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير ، فسلمت ثم قعدت ، فجاء الاعراب من هاهنا وهاهنا ،
فقالوا : يا رسول الله أنتداوى ؟ فقال : " تداووا ، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له
دواء غير داء واحد : الهرم " . وأخرجه أحمد : 4 / 278 ، وابن ماجة ( 3436 ) ، والترمذي
( 2038 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وهو كما قال : وصححه ابن حبان ( 1395 )
و ( 1924 ) .
( 3 ) أي : من الهذيان . انظر " اللسان " مادة " هجر " .
( 4 ) في " الكامل " 1 / 39 / أ ، في ترجمته لبركة الحلبي .