قال أبو العرب عمن حدثه : كان الذين يحضرون مجلس سحنون من
العباد أكثر من الطلبة ، كانوا يأتون إليه من أقطار الأرض . ولما ولي
سحنون القضاء بأخرة عوتب ، فقال : ما زلت في القضاء منذ أربعين سنة ،
هل الفتيا إلا القضاء ( 1 ) ؟ ! . .
قيل : إن الرواة عن سحنون بلغوا تسع مئة .
وأصل " المدونة " أسئلة . سألها أسد بن الفرات لابن القاسم . فلما
ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم ، فأصلح فيها كثيرا ، وأسقط ،
ثم رتبها سحنون ، وبوبها . واحتج لكثير بن مسائلها بالآثار من مروياته ،
مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها ، بل رأي محض . وحكوا أن سحنون في
أواخر الامر علم عليها ، وهم بإسقاطها وتهذيب " المدونة " ، فأدركته
المنية رحمه الله . فكبراء المالكية ، يعرفون تلك المسائل ، ويقررون منها
ما قدروا عليه ، ويوهنون ما ضعف دليله . فهي لها أسوة بغيرها من
دوواين الفقه . وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك
القبر صلى الله عليه وسلم تسليما . فالعلم بحر بلا ساحل ، وهو مفرق في الأمة ، موجود
لمن التمسه .
وتفسير سحنون بأنه اسم طائر بالمغرب ( 2 ) ، يوصف بالفطنة
والتحرز ، وهو بفتح السين وبضمها .
هامش
( 1 ) ثمت فرق بين الفتيا والقضاء ، فالفتيا تبليغ محض ، والقضاء إنشاء وإلزام . قال
القرافي في " الفروق " 4 / 53 : الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى ، ويجب
على السامع اعتقادهما ، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة ، لكن الفتوى إخبار عن الله
تعالى في إلزام أو إباحة ، والحكم إخبار معناه الانشاء والالزام من قبل الله تعالى .
( 2 ) في " ترتيب المدارك " 2 / 586 ، و " الديباج المذهب " 2 / 30 : لحدته في
المسائل .