ما يفوت البخاري ومسلما ( 1 ) مما ثبت ( 2 ) من الحديث .
قال الحاكم : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : رأيت شيخا
حسن الوجه والثياب ، عليه رداء حسن ، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه .
فقيل : هذا مسلم . فتقدم أصحاب السلطان ، فقالوا : قد أمر أمير
المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين ، فقدموه في
الجامع ، فكبر ، وصلى بالناس .
قال أحمد بن سلمة : كنت مع مسلم في تأليف " صحيحه " خمس
عشرة سنة ( 3 ) . قال : وهو اثنا عشر ألف حديث ( 4 ) .
قلت : يعني بالمكرر ، بحيث إنه إذا قال : حدثنا قتيبة ، وأخبرنا ابن
رمح يعدان حديثين ، اتفق لفظهما أو اختلف في كلمة .
قال الحافظ ابن مندة : سمعت أبا علي النيسابوري الحافظ يقول :
ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم ( 5 ) .
هامش
( 1 ) في الأصل : ومسلم ، بالرفع ، وهو خطأ .
( 2 ) الخبر في " جامع الأصول " 1 / 188 بلفظ : يثبت . وإن كان يراد من هذا الخبر ما
دوناه في " صحيحيهما " ففيه نظر ، لأنه قد فاتهما كثير من الأحاديث الصحيحة استدركها عليهما
من ألف في الصحيح كابن خزيمة وابن حبان وغيرهما .
( 3 ) في " مقدمة صحيح مسلم " بشرح النووي : 14 : ست عشرة سنة .
( 4 ) مجموع ما في " صحيح مسلم " من الأحاديث غير المكررة ( 3033 ) حديثا .
والخبر في " تذكرة الحفاظ " 2 / 589 .
( 5 ) " تاريخ بغداد " 3 / 101 ، و " وفيات الأعيان " 5 / 194 ، و " تذكرة الحفاظ "
2 / 589 ، و " جامع الأصول " 1 / 188 ، و " البداية والنهاية " 11 / 33 وقد قال ابن كثير في
" البداية والنهاية " 11 / 33 في ترجمة مسلم : صاحب " الصحيح " الذي هو تلو صحيح
البخاري عند أكثر العلماء . وذهبت المغاربة وأبو علي النيسابوري من المشارقة إلى تفضيل
صحيح مسلم على صحيح البخاري ، فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شئ من
التعليقات إلا القليل ، وأنه يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد ، ولا يقطعها كتقطيع
البخاري لها في الأبواب ، فهذا القدر لا يوازي قوة أسانيد البخاري واختياره في " الصحيح " لها
ما أورده في " جامع " معاصرة الراوي لشيخه وسماعه منه .
وقال ابن حجر في " تهذيب التهذيب " 10 / 127 : حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم
مفرط لم يحصل لاحد مثله ، بحيث إن بعض الناس كان يفضله على " صحيح " محمد بن
إسماعيل ، وذلك لما اختص به من جمع الطرق ، وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ
كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى .
وقال الامام النووي رحمه الله في " شرحه لصحيح مسلم " : 14 : اتفق العلماء رحمهم
الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز : " الصحيحان " البخاري ومسلم ، وتلقتهما الأمة
بالقبول . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة . وقد صح أن مسلما
كان ممن يستفيد من البخاري ، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث . وهذا الذي ذكرناه
من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الاتقان والحذق
والغوص على أسرار الحديث . وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ شيخ الحاكم
أبي عبد الله بن البيع : كتاب مسلم أصح ، ووافقه بعض شيوخ المغرب ، والصحيح الأول .
وقد قرر الإمام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله في كتابه " المدخل " ترجيح
كتاب البخاري ، وروينا عن الامام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله أنه قال : ما في هذه
الكتب كلها أجود من كتاب البخاري .
قلت : ( القائل النووي ) ومن أخصر ما ترجح به اتفاق العلماء على أن البخاري أجل من
مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه ، وقد انتخب علمه عليه ولخص ما ارتضاه في هذا الكتاب ،
وبقي في تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة ، وجمعه من ألوف مؤلفة من الأحاديث
الصحيحة . . .
ومما ترجح به كتاب البخاري أن مسلما رحمه الله كان مذهبه ، بل نقل الاجماع في أول
" صحيحه " أن الاسناد المعنعن له حكم الموصول ب : سمعت بمجرد كون المعنعن والمعنعن
عنه كانا في عصر واحد ، وإن لم يثبت اجتماعهما ، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى
يثبت اجتماعهما ، وهذا المذهب . يرجح كتاب البخاري . . .
وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة ، وهي كونه أسهل متناولا من حيث إنه جعل لكل حديث
موضعا واحدا يليق به ، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها ، وأورد فيه أسانيده المتعددة
وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ، ويحصل له الثقة بجميع ما
أورده مسلم من طرقه بخلاف البخاري ، فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة
متباعدة ، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به ، وذلك لدقيقة
يفهمهما البخاري منه ، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري
من طرق هذا الحديث .