وقال سمعت أبا عبد الله يقول : كان شيخ يمر بنا في مجلس
الداخلي ، فأخبره بالأحاديث الصحيحة مما يعرض علي ، وأخبره بقولهم ،
فإذا هو يقول لي يوما : يا أبا عبد الله ، رئيسنا في أبو جاد ، وقال بلغني أن أبا
عبد الله شرب دواء الحفظ يقال له : بلاذر ، فقلت له يوما خلوة : هل من
دواء يشربه الرجل ، فينتفع به للحفظ ؟ فقال : لا أعلم ، ثم أقبل علي ، وقال
لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ، ومداومة النظر ( 1 ) .
قال : وذاك أني كنت بنيسابور مقيما ، فكان ترد إلي من بخارى
كتب ، وكن قرابات لي يقرأن سلامهن في الكتب ، فكنت اكتب كتابا إلى
بخارى ، وأردت أن أقرئهن سلامي ، فذهب علي أساميهن حين كتبت
كتابي ، ولم أقرئهن سلامي ، وما أقل ما يذهب عني من العلم ، وقال :
سمعته يقول : لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء . كنت إذا كتبت
عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث ، إن كان الرجل
فهما . فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته . فأما الآخرون لا
يبالون ما يكتبون ، وكيف يكتبون .
وقال سمعت العباس الدوري يقول : ما رأيت أحدا يحسن طلب
الحديث مثل محمد بن إسماعيل ، كان لا يدع أصلا ولا فرعا إلا قلعه . ثم
قال لنا : لا تدعوا من كلامه شيئا إلا كتبتموه .
وقال : كتب إلى أبي عبد الله بعض السلاطين في حاجة له ، ودعا له
دعاء كثيرا . فكتب إليه أبو عبد الله : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله
الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : وصل إلي كتابك وفهمته ، وفي بيته يؤتى
هامش
( 1 ) " مقدمة الفتح " : 488 .