قلت : ما هو ممن يكذب ، كلا . وكان عبثه بالمرد أيام الشبيبة ،
فلما شاخ أقبل على شأنه ، وبقيت الشناعة ، وكان أعور .
قال أبو العيناء ( 1 ) : وقف له الاضراء ( 2 ) ، فطالبوه ، فقال : ليس لكم
عند أمير المؤمنين شئ . فقالوا : لا تفعل يا أبا سعيد ، فصاح : الحبس
الحبس ، فحبسوا ، فلما كان الليل ضجوا . فقال المأمون : ما هذا ؟
قيل : الاضراء . فقال له : ولم حبستهم ؟ أعلى أن كنوك ؟ قال : بل
حبستهم على التعريض بشيخ لائط في الحربية ( 3 ) .
قال فضلك الرازي : مضيت أنا وداود الأصبهاني إلى يحيى بن
أكثم ، ومعنا عشرة مسائل ، فأجاب في خمسة منها أحسن جواب . ودخل
غلام مليح ، فلما رآه اضطرب ، فلم يقدر يجئ ولا يذهب في مسألة .
فقال داود : قم ، اختلط الرجل ( 4 ) .
هامش
( 1 ) هو محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر الهاشمي ولاء . المتوفى سنة 283 ه . وسترد
ترجمته في الجزء الثالث عشر ترجمة رقم ( 142 ) .
( 2 ) الاضراء : جمع ضرير ، وهو من فقد بصره .
( 3 ) الخبر في " تاريخ بغداد " 14 / 194 ، 195 بتوسع . ولفظه بإسناده إلى أبي
العيناء ، قال : تولى يحيى بن أكثم ديوان الصدقات على الاضراء ، فلم يعطهم شيئا ، فطلبوه
وطالبوه ، فلم يعطهم ، فاجتمعوا . فلما انصرف من جامع الرصافة من مجلس القضاء ، سألوه
وطالبوه ، فقال : ليس لكم عند أمير المؤمنين شئ . . . الخبر . والحربية : محلة كبيرة مشهورة
ببغداد عند باب حرب ، قرب مقبرة بشر الحافي وأحمد بن حنبل ، وغيرهما ، تنسب إلى حرب بن
عبد الله البلخي ، أحد قواد أبي جعفر المنصور ، وقد تصحفت في تاريخ بغداد إلى ( الخريبة ) .
( 4 ) " تهذيب الكمال " : 1486 . وقد أورد الخطيب البغدادي 14 / 197 وابن خلكان
6 / 152 بعض الأخبار التي تذكر ما كان يتهم به يحيى بن أكثم من الهنات المنسوبة إليه كاللواطة
وغيرها . وما إخال أن هذه الأخبار تصح عن قاض كبير كيحيى بن أكثم الذي كان إماما من أئمة
الاجتهاد ، مما دفع الخليفة المأمون - وهو من هو علما ومعرفة - لان يوليه قضاء بغداد . ولا سيما
أن هذه الأخبار وردت عمن لا يحتج بهم . . . وقد قال الحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية "
10 / 316 ، كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة ، وعلماء الناس ، ومن المعظمين للفقه
والحديث واتباع الأثر .