بأسرع من أن جاء الشيخ ، فسلم ، وجلس ، فقال : حاجتي ؟ فقال
الشافعي : نعم ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، قال الله تعالى : ( ومن
يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما
تولى . . ) الآية ( النساء : 115 ) ، قال : فلا يصليه على خلاف
المؤمنين إلا وهو فرض ، فقال : صدقت ، وقام فذهب . فقال الشافعي :
قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات ، حتى وقفت عليه ( 1 ) .
أنبئت بهذه القصة عن منصور الفراوي ، أخبرنا محمد بن إسماعيل
الفارسي ، أخبرنا أبو بكر البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا
الزبير . فذكرها .
هامش
( 1 ) وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين ، ولو لم يكن
ذلك محرما لما توعد الله عليه ، ولما حسن الجمع بينه وبين ما حرم من مشاقة الرسول عليه
السلام في التوعد ، كما لا يحسن الجمع في التوعد بين الكفر وأكل الخبز المباح ، ومخالفة ما
أجمع عليه المسلمون اتباع لغير سبيل المؤمنين بالعمل بإجماعهم واجبا .
وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين في الآية هو إجماعهم لاحتمال أن يكون
المراد سبيلهم في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو في مناصرته ، أو في الاقتداء به ، أو فيما صاروا به
مؤمنين ، وهو الايمان به ، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال .
وقال إمام الحرمين في كتابه " البرهان " فيما نقله عنه صاحب " سلم الوصول " 3 / 869 :
الظاهر أن الرب سبحانه وتعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى صلوات الله وسلامه
عليه ، والحيد عن سنن الحق ، وترتيب المعنى : ومن يشاقق الرسول ، ويتبع غير سبيل
المؤمنين المقتدين به ، نوله ما تولى . فإن سلم ظهور ذلك ، فذلك ، وإلا فهو وجه في
التأويل لائح ، ومسلك للانكار واضح ، فلا يبقى للتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ، ولا
يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع ، وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في
الامكان ، ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف ، وقال الغزالي في " المستصفى "
1 / 175 : والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض ، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل
الرسول ويشاقه ، ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ، ودفع الأعداء عنه ، نوله ما
تولى . فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه ،
والانقياد له فيما يأمر وينهى . وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم ، فإن لم يكن ظاهرا ، فهو
محتمل .