ثم إن الأشاعرة قالوا قولا لزمهم منه خرق الاجماع ، والنصوص
الدالة على وجوب الرضا بالقضاء ، هو : أن الله تعالى يفعل القبائح بأسرها .
ولا مؤثر في الوجود غير الله تعالى : من الطاعات ، والقبايح . فتكون
القبايح من قضاء الله تعالى على العبد ، وقدره ( 1 ) . والرضا بالقبح حرام
بالإجماع ، فيجب أن لا يرضى بالقبح ولو كان من قضاء الله تعالى لزم
إبطال إحدى المقدمتين ، وهي : إما عدم وجوب الرضا بقضائه تعالى
وقدره ، أو وجوب الرضا بالقبح ، وكلاهما خلاف الاجماع .
هامش
( 1 ) قال أبو حامد الغزالي في إحياء العلوم ج 4 ص 351 و 352 : " وقد غلط بعض البطالين
المغترين ، وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره عز وجل ، فيجب
الرضا به . . وهذا جهل بالتأويل ، وغفلة عن أسرار الشرع . فإن قلت : وردت
الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى ، فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله تعالى ، فهو
محال ، وهو قادح في التوحيد ، وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء
الله تعالى ، كيف السبيل إلى الجمع ، وهو متناقض على هذا الوجه ، وكيف يمكن الجمع
بين الرضا والكراهة في شئ واحد ، واعلم أنه قد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن
المنكر مقاما من مقامات الرضا ، وسموه حسن الخلق ، وهو جهل محض ، بل نقول :
الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شئ واحد ، من جهة واحدة ، فليس من التضاد
في شئ واحد أن يكرهه من وجه ، ويرضى به من وجه . وكذلك المعصية لها وجهان :
وجه إلى الله تعالى ، من حيث أنه فعله ، واختياره ، وإرادته ، فيرضى به من هذا الوجه
تسليما للملك إلى مالك الملك ، ورضا بما يفعله فيه ، ووجه بما يفعله العبد من حيث أنه
كسبه ، ووصفه ، وعلامة كونه ممقوتا عند الله ، بغيضا عنده ، حيث سلط عليه أسباب
العبد ، والمقت . . فهو من هذا الوجه منكر مذموم " . أقول : لا خفاء " أن كسب العبد ،
ووصفه به ، وتسلطه عليه هو عندهم بإيجاد الله تعالى ، وبقضائه ، وقدره ، لقولهم :
" ولا مؤثر في الوجود إلا الله " . واتصاف العبد به ليس إلا الوجود لا العدم ، فالله هو
المؤثر في هذا الوجود أيضا فجوابه مما لا يرضى به العاقل المنصف ، لأنه في الحقيقة دليل
للسائل ، وتشبث بالطحلب .