بخبط وشماس ، وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة ، وشدة المحنة .
حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله ،
وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول منهم ، حتى صرت أقرن
إلى هذه النظائر ، لكني أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ، فصفى
رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن .
إلى أن قالم ثالث القوم ، نافخا حضنيه ، بين نثيله ، ومعتلفه ، وقام
معه بنو أبيه ، يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث
فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ، فما راعني إلا والناس كعرف
الضبع إلي ، ينثالون علي من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق
عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلما نهضت بالأمر ، نكثت طائفة :
ومرقت أخرى ، وقسط آخرون ، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول :
" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ،
والعاقبة للمتقين " ( 1 ) .
بلى والله ، لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ،
وراقهم زبرجها ، أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور
الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء : أن
لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ،
ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة
عنز ( 2 ) ! . . .
هامش
( 1 ) القصص : 83
( 2 ) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 1 ص 69 : قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة
في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي ، إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر ،
قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة إلى آخر ما قال .
وذكرها الميداني في مجمع الأمثال ، وابن منظور الإفريقي المصري ، في لسان العرب ج 12
ص 52 ، وأوعز إليها الفيروزآبادي في القاموس ج 3 ص 259 ، وابن الأثير الجزري
في نهاية اللغة ج 2 ص 490 ، ووجدت بخط قديم ، عليه كتابة الوزير أبي الحسن علي بن
الفرات ، المتوفى ( 312 ) كما في شرح ابن ميثم . ورواها محمد عبده في شرحه نهج البلاغة
ج 1 ص 30 والدكتور صبحي الصالح في شرحه على النهج ص 48 وسبط بن الجوزي في
تذكرة الخواص ، وغيرهم من أعلام القوم .