قصة الشورى
ومنها : قصة الشورى ، وقد أبدع فيها أمورا ، فإنه :
خرج بها عن الاختيار والنص جميعا .
وحصرها في ستة .
وذم كل واحد منهم ، بأن ذكر فيه طعنا ، لا يصلح معه للإمامة ،
ثم أهله بعد أن طعن فيه .
وجعل الأمر إلى ستة ، ثم إلى أربعة ، ثم إلى واحد ، وصفه بالضعف
والقصور .
وقال : إن اجتمع علي وعثمان ، فالقول ما قالاه ، وإن صاروا ثلاثة ،
وثلاثة ، فالقول للذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ( 1 ) . وذلك لعلمه بأن
هامش
( 1 ) أقول : فلماذا جعل الخليفة لعبد الرحمن في الشورى مقاما محمودا ، وجعله هو صاحب
الاختيار ، مع أنه وصفه في ذلك المجلس بأنه فرعون هذه الأمة ، حيث قال : " وما يمنعني
منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة . ( الإمامة والسياسة ج 1 ص 24 ) .
ولعل السر في ذلك هو ما قاله أهل السير والتاريخ والحديث ، وقاله الإمام محمد عبده في
شرح النهج ج 1 ص 34 : وكان سعد من بني عم عبد الرحمن ، كلاهما من بني زهرة ،
وكان في نفسه شئ من علي كرم الله وجهه من قبل أخواله ، لأن أمه حمنة بنت سفيان بن أمية
ابن عبد شمس ، ولعلي في قتل صناديدهم ما هو معروف مشهور ، وعبد الرحمن كان صهرا
لعثمان ، لأن زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، كان أختا لعثمان من أمه ، وكان
طلحة ميالا لعثمان ، لصلات بينهما ، على ما ذكره بعض رواة الأثر ، وقد يكفي في ميله
إلى عثمان انحرافه عن علي ، لأنه تيمي ، وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان
الخلافة في أبي بكر ، وبعد موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، اجتمعوا وتشاوروا
فاختلفوا ، وانضم طلحة في الرأي إلى عثمان ، والزبير إلى علي ، وسعد إلى عبد الرحمن ،
وكان عمر قد أوصى بأن لا تطول مدة الشورى فوق ثلاثة أيام ، وأن لا يأتي الرابع إلا ولهم
أمير ، وقال إذا كان خلاف فكونوا مع الفريق الذي فيه عبد الرحمن " .
فيعطي هذا التحقيق المسألة حقها ، لمن تدبر في ذلك ، وفي كيفية استخلاف أبي بكر عمر ،
ويظهر جليا لكل أحد : أن الخلافة كانت كرة تدور بين الثاني والثالث ، من يوم كتابة
عثمان خلافة عمر ، حين إغماء أبي بكر ، وحان وقت أن تصير لعثمان بأمره ، على يد
عبد الرحمن ، كما قال علي أمير المؤمنين في خطبته المعروفة بالشقشقية : " حتى إذا مضى
لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول
منهم ، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر لكني أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ،
فصفى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم ،
نافجا حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة
الربيع إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته .