وبأي اعتبار وجب الانقياد إلى هذه البيعة ؟ والنص غير دال عليها ، ولا العقل ؟ .
فهذا بعض ما نقله السنة من الطعن على أبي بكر ، والذنب فيه على
الرواة من السنة . . .
المطلب الثاني في مطاعن الثاني
المطلب الثاني : في المطاعن التي نقلها السنة عن عمر بن الخطاب :
نقل الجمهور عن عمر مطاعن كثيرة :
طعن عمر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله حين وفاته
منها : قوله عن النبي صلى الله عليه وآله ، لما طلب في حال مرضه دواة وكتفا ،
ليكتب فيه كتابا لا يختلفون بعده ، وأراد أن ينص حال موته على علي بن
أبي طالب ( ع ) ، فمنعهم عمر ، وقال : " إن رسول الله ليهجر ،
حسبنا كتاب الله " ( 2 ) ، فوقعت الغوغاء ، وضجر النبي صلى الله عليه وآله ،
هامش
( 1 ) أقول : ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتابه : تاريخ بغداد ، مسندا ، كما في شرح النهج
ج 3 ص 97 وكتاب علي ومناوئوه ص 26 ( ط مطبوعات النجاح بالقاهرة ) : محاورة طريفة
جرت بين ابن عباس وبين عمر بن الخطاب ، قال عمر لابن عباس : يا عبد الله ، عليك
دماء البدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم ، قال : أيزعم
أن رسول الله صلى الله عليه وآله نص عليه ؟ قلت : نعم . وأزيدك : سألت أبي عما يدعيه ؟ فقال :
صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله في أمره ذرو من قول ،
لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه
أن يصرح باسمه ، فمنعت من ذلك ، إشفاقا وحيطة على الإسلام ، لا ، ورب هذه البنية ،
لا تجتمع عليه قريش أبدا ، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول الله
صلى الله عليه وآله : أني علمت ما في نفسه فأمسك ، وأبي الله إلا إمضاء ما حتم . .
فهل ترى أن الخليفة كان أحرص على الإسلام من نبيه الكريم ؟ ؟ الله الهادي ؟ !
( 2 ) أقول : رواه مسلم بطريقين ، في باب ترك الوصية ج 3 ص 69 ، إلا أن الذي في هذه طبعة
مصطفى الحلبي وأولاده بمصر ( قد ورد في طريقه الأول قوله : " فقالوا : إن رسول الله
يهجر " ، وفي طريقه الثاني : فقال عمر : إن رسول الله قد غلب عليه الوجع ، وهكذا في
البخاري ج 1 ص 36 ، باب كتابة العلم وج 2 ص 156 ، باب قول المريض :
قوموا عني ، وج 6 ص 11 ، باب مرض النبي ووفاته ، وج 9 ص 137 ، وفي بعض
هذا الروايات ، كما في البخاري ج 4 ص 85 ، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم
وص 121 باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ، وج 6 ص 11 باب مرض النبي ووفاته .
جاءت الرواية بهذه العبارة : " فقالوا : هجر رسول الله " ؟ ، و " وماله أهجر " ؟ و " ما شأنه
أهجر استفهموه " " ؟ .
فترى أن نسبة الهجر إلى النبي صلى الله عليه وآله ثابتة ، إلا أنهم يضعون بدلها كلمة : الوجع ، حينما
يعينون القائل ، وهو عمر ، تهذيبا للعبارة ، وتحفظا على شأن الخليفة . ويدل على ذلك :
ما أخرجه أبو بكر الجوهري في كتابه " السقيفة " ، كما في شرح النهج ج 2 ص 20 ،
فقال عمر كلمة : " معناها الوجع " ، وأخرج أيضا أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 ص 346 ،
عن جابر : " أن النبي صلى الله عليه وآله دعا عند موته بصحيفة ليكتب كتابا لا يضلون بعده ، فخالف عمر بن الخطاب حتى رفضها " .
ما معنى هذا الاختلاف في الحديث ؟ وما معنى أنهم نقلوا العبارة بالمعنى ، لا بعين لفظها ؟ ،
إذا عينوا القائل ، وإذا لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ ينقلون المعارضة بعين لفظها ؟ ،
ولم يتفوه بذلك يومئذ إلا الخليفة الثاني ، وإن وجد قائل غيره فقد أخذه منه ، كما يكشف
عن ذلك ما رواه البخاري في الصحيح ج 9 ص 137 في حديث : " ومنهم من يقول : ما قال
عمر " ، وأخرج الإمام الغزالي في كتابه : " سر العالمين " ، في المقالة الرابعة ، وسبط ابن
الجوزي في التذكرة ص 36 : " وقال عمر : دعوا الرجل ، فإنه ليهجر ، حسبنا كتاب الله " .
ألم يقرأ الخليفة قوله تعالى : " ما ضل صاحبكم وما غوى - 2 - وما ينطق عن الهوى
3 - إن هو إلا وحي يوحى " النجم : 5 ؟ . أو لم يسمع شهادة رب العالمين بطهارته في آية
" التطهير " ، عن كل ما يوجب شيئا في قداسته وفي روحه العظيم ؟ . . أم أنه سمع ووعى
ولكن حليت الدنيا في عينه ، وراقه زبرجها ؟ . .
وكيف تجرأ هذه الجرأة ، ونسب هذه النسبة إلى الناطق بالوحي حين وصيته التي وعد أن
تكون حاوية لما يكون به فلاح الأمة ، وعدم ضلالتهم إلى الأبد ؟ . ، ولكنه سكت سكوتا
مطبقا حين وصية أبي بكر باستخلافه وهو في حالة الاغماء ؟ ؟ . حيث يروون : " أن أبا
بكر أمر عثمان أن يكتب : أما بعد ، ثم أغمي عليه ، فكتب عثمان : أما بعد : فقد
استخلف عليكم عمر بن الخطاب ، فاسمعوا وأطيعوا " ، وهذا متواتر ، واستندوا في إثبات
خلافته بذلك .
وكيف تفوه بقوله : " حسبنا كتاب الله " ، ولم يفهم هو ولا أبو بكر معنى كلمة الأب
في قوله تعالى : " وفاكهة وأبا " عبس : 31 مع كونهما قرشيين ؟ إذن كيف يفسرون
القرآن ، ويعلمونه الناس ، ويحاولون توجيه الناس إلى حقائقه ومعارفه وأحكامه . .
قال إبراهيم التميمي : سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الأب ما هو ؟ فقال : أي
سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا أعلم .
وعن أنس : أن عمر رضي الله عنه قرأ على المنبر : " فأنبتنا فيها حبا " ، إلى قوله : " وأبا "
فقال : كل هذا قد عرفناه ، فما الأب ؟ ثم رفض عصا كانت في يده ، فقال هذا لعمر والله
هو التكلف ، فما عليك يا ابن أم عمر : أن لا تدري ما الأب ؟ رواهما حفاظ الحديث .
( راجع : تفسير الآلوسي ج 28 ص 47 ، وتفسير الخازن ج 4 ص 380 ، والدر المنثور
ج 6 ص 317 ) .