يزيد متعين من أجل فسقه ، لا سيما من له القدرة على ذلك وظنها من نفسه بأهليته
وشوكته ، فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة ، وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها !
لأن عصبية مضر كانت في قريش ، وعصبية قريش في عبد مناف ، وعصبية عبد
مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه ، وإنما
نسي ذلك أول الاسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي وتردد
الملائكة لنصرة المسلمين ، فأغفلوا أمور عوائدهم وذهبت عصبية الجاهلية
ومنازعها ونسيت ، ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع ينتفع بها في
إقامة الدين وجهاد المشركين ، والدين فيها محكم والعادة معزولة ، حتى إذا انقطع
أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشئ للعوائد فعادت العصبية كما
كانت ولمن كانت ، وأصبحت مضر أطوع لنبي أمية من سواهم بما كان لهم من
ذلك قبل .
فتبين لك غلط الحسين ! إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه ! ، وأما
الحكم الشرعي فلم يغلط فيه ، لأنه منوط بظنه وكان ظنه القدرة على ذلك ، ولقد
عذله ابن العباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية أخوه وغيره في مسيره إلى
الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ! ولم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله .
وأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام
والعراق ومن التابعين لهم فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقا لا يجوز ، لما
ينشأ من الهرج والدماء فأقصروا عن ذلك ، ولم يتابعوا الحسين ولا أنكروا عليه ولا
أثموه لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين .
ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين وقعودهم عن
نصره ، فإنهم أكثر الصحابة وكانوا مع يزيد ولم يروا الخروج عليه ، وكان الحسين
يستشهدهم وهو يقاتل بكربلاء على فضله وحقه ويقول : سلوا جابر بن عبد الله
وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك وسهل بن سعيد ( سعد . ظ ) وزيد بن أرقم
وأمثالهم ، ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره ، ولا تعرض لذلك لعلمه أنه عن
نفحات الأزهار — صفحة 240
مساهمون: السيد علي الحسيني الميلاني
ص٢٤٠