البصري فانحرف عن التوحيد ، فقيل له : تركت مذهب صاحبك ودخلت
فيما لا أصل له ولا حقيقة ، فقال : إن صاحبي كان مخلطا ، كان يقول طورا
بالقدر وطورا بالجبر 1 ) وما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه ، فقدم مكة تمردا
وإنكارا على من يحج ، وكان يكره العلماء مساءلته إياهم ومجالسته لهم
لخبث لسانه وفساد ضميره ، فأتى أبا عبد الله عليه السلام ليسأله ، فجلس إليه في
جماعة من نظرائه .
فقال : يا أبا عبد الله إن المجالس بالأمانات ولابد لمن كان به سعال أن
يسعل أفتأذن لي في الكلام ؟ فقال عليه السلام : تكلم بما شئت ، فقال : إلى كم تدوسون
هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر 2 ) ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب 3 )
والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ؟ ! إن من فكر في هذا وقدر
علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر فقل فإنك رأس هذا الامر
وسنامه وأبوك اسه ونظامه ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : إن من أضله الله وأعمى
قلبه استوخم الحق فلم يستعذبه ، وصار الشيطان وليه يورده مناهل الهلكة ،
ثم لا يصدره ، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه ،
فحثهم على تعظيمه وزيارته ، وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له ، فهو
شرح
1 ) المراد من الجبر الأشاعرة ، لأنهم القائلون بالجبر وسلب الاختيار . وأما
القدر ، فهو عبارة عن المعتزلة ، لأنهم يقولون : لا تقدير له سبحانه في أفعال العباد ،
فيكون المراد من القدرية المعتزلة . وقيل : هم الأشاعرة ولكل واحد من القولين
شاهد من الاخبار .
2 ) يعني : الحجر الأسود ، أو البيت كله ، فإنه من الأحجار .
3 ) هو بالضم الآجر .