شرح
بتخصيص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد بالدلائل المنفصلة ، ولا خلف
على هذا التقدير أيضا ، فلا يلزم تبدل القول . وأما إذا لم نقل بأحد هذين الوجهين ،
فيشكل التفصي عن لزوم التبدل والكذب ، اللهم الا أن يحمل آيات الوعيد على
استحقاق ما أوعد به لا على وقوعه بالفعل ، وفي الآية المذكورة إشارة إلى ذلك
حيث قال : فجزاؤه جهنم خالدا فيها انتهى ( 1 ) .
وقال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب العيون والمحاسن : حكى أبو القاسم الكعبي
في كتاب الغرر عن أبي الحسين الخياط ، قال : حدثني أبو مجالد ، قال : مر أبو
عمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد وهو يتكلم في الوعيد ، قال : إنما أتيتم من
العجمة ، لان العرب لا يرى ترك الوعيد ذما ، وإنما يرى ترك الوعد ذما وأنشد :
واني وان أوعدته ووعدته * لأخلف ايعادي وأنجز موعدي
قال : فقال له عمرو : فليس يسمى تارك الايعاد مخلفا ؟ قال : بلى ، قال : فتسمى
الله تعالى مخلفا إذا لم يفعل ما أوعد ؟ قال : لا ، قال : فقد أبطلت شهادتك .
قال الشيخ رحمه الله : ووجدت أبا القاسم قد اعتمد على هذا الكلام واستحسنه ،
ورأيته قد وضعه في أماكن شتى من كتبه واحتج به على أصحابنا الراجئة فيقال
له : إن عمرو بن عبيد ذهب عن موضع الحجة في الشعر ، وغالط أبا عمرو بن العلاء ،
وجهل موضع المعتمد من كلامه ، وذلك أنه إذا كانت العرب والعجم وكل عاقل
يستحسن العفو بعد الوعيد ولا يعلقون بصاحبه ذما ، فقد بطل أن يكون العفو من
الله تعالى مع الوعيد قبيحا ، لأنه لو جاز أن يكون منه قبيحا ما هو حسن في الشاهد
عند كل عاقل لجاز أن يكون منه حسنا ما هو قبيح في الشاهد عند كل عاقل ، وهذا
نقض العدل والمصير إلى قول أهل الجور والجبر ، مع أنه إذا كان العفو مستحسنا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 6 : 9 عنه .