شرح
من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل .
( ولذلك خلقهم ) اختلفوا في معناه ، فقيل : يريد وللرحمة خلقهم ، ذهب إليه
أكثر المفسرين ، وهو الوارد في أخبارنا المستفيضة عن السادة الأطهار عليهم السلام ،
واعترض بأنه لو أريد ذلك لقال : ولتلك خلقهم ، لان الرحمة مؤنثة . وأجاب عنه
المرتضى وغيره ، بأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ، وإذا ذكر فعلى معنى الفعل
والانعام ، وقد قال سبحانه : هذا رحمة من ربي ( 1 ) وان رحمة الله
قريب ( 2 ) وقالوا أيضا : ان قوله الا من رحم ربك ( 3 ) كما يدل على الرحمة
يدل أيضا على أن يرحم ، فلا يمتنع أن يكون المراد لان يرحموا خلقهم . وقيل : إنه
إشارة إلى الاختلاف ( 4 ) .
واختلفوا في اللام ، فقيل : انها لام العاقبة ، يريد أن الله خلقهم وعلم أن
عاقبتهم تؤول إلى الاختلاف المذموم . وقيل : إنها لام التعليل ، يعني : انه سبحانه
خلقهم للاختلاف ، لان الاختلاف الواقع بين الناس ربما اشتمل على ضرب من
الصلاح ، واستدلالا بقوله صلى الله عليه وآله : اختلاف أمتي رحمة .
والجواب عن الآية بما قاله السيد طيب الله ثراه ، من أن حمل لفظة ( ذلك ) في
الآية على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف ، لدليل العقل وشهادة اللفظ .
فأما دليل العقل ، فمن حيث علمنا أنه تعالى كره الاختلاف والذهاب عن الدين ،
ونهى عنه وتوعد عليه ، فكيف يجوز أن يكون شائيا له ومجريا بخلق العباد إليه .
وأما شهادة اللفظ ، فلان الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف ، وحمل
اللفظ على أقرب المذكورين أولى في لسان العرب .
ثم قال : ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى ( ولذلك خلقهم ) كناية عن
هامش
( 1 ) الكهف : 98 .
( 2 ) الأعراف : 56 .
( 3 ) هود : 119 .
( 4 ) مجمع البيان 3 : 203 - 204 .