لم يؤتك الله ، فإن الرزق لا يجره حرص حريص ولا يصرفه كره كاره ، فإن
الله عز وجل بحكمته وفضله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا ،
وجعل الهم والحزن في الشك والسخط 1 ) ، إنه لا فقر أشد من الجهل 2 ) ، ولا
شرح
لنعمه على يديه ، وإن من لم يحمده كمن لم يحمد الله ، ويمكن دفع المنافاة بوجوه :
منها : أن المراد ما آتاه الله من غير توسط أحد من خلقه ، كالوجود والحياة
وسائر أصول النعم ، وفي قوله : ( على ما آتاك الله ) إشارة إليه .
ومنها : أن المراد حمده على أنه المؤثر الحقيقي في تلك النعمة وإيصالها إليه ،
ولم يلاحظ أن الذي جعله خازنا النعمة من مال ونحوه هو الله تعالى ، وهو الذي
عرفه حاله وجعل الرقة في قلبه عليه ، فيكون حال ذلك المعطي كحال القلم في
يد الكاتب والقدوم في يد النجار ، فالذي يستحق المدح والثناء حقيقة إنما هو
الكاتب النجار ، والقدوم والقلم بالتبع والعرض .
1 ) الشك هنا مقابل اليقين ، والمراد منه الشك في أن ما آتاه الله يمكن تحصيله
من غيره ، أو أن الكد الأكيد مما يزيد في الرزق وينقصه ونحو ذلك ، والسخط
مقابل الرضا ، وهو عدم الرضا بالقضاء .
2 ) لان الجاهل فاقد ما يوصل إلى المنافع ويكون دليلا على معرفتها
واختيارها واقتنائها ، بل جهله يوصله إلى المضار والمناقص ، ويوجب اختيارها ،
وجاءت الرواية أنه صلى الله عليه وآله سأل أصحابه عن معنى الفقير ، فقالوا : من ليس له درهم
ولا دينار ، فقال : لا ، ولكن الفقير من يأتي في عرصات القيامة ضاربا لهذا
وشاتما لذاك وغاصبا من هذا ، فإن كان له طاعات ، اخذ من طاعاته ودفعت إلى
أرباب الحقوق ، وإن لم يكن له شئ من الطاعات أعطي من أثقالهم ، كما قال