شرح
حيث أنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله بل طبع الله عليها بكفرهم ( 1 ) وقوله
تعالى ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ( 2 ) وردت الآيات ناعية
عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم .
وحيث أن الأدلة العقلية والنقلية واجماع أصحابنا والمعتزلة دالة على أنه لا
يحسن وقوع تلك الأمور منه سبحانه ، لأنه يقبح من الحكيم أن يكلف أحدا ثم
يمنعه عن الاتيان بما كلفه به ثم يعذبه عليه ، فلا بد من تحقيق المقام ، وهو يتم
ببيان أمور :
الأول : فيما ذكره أصحابنا والمعتزلة من التأويلات والأجوبة عن معنى
الاضلال والطبع والختم وما في معناها وهو وجوه :
منها : أن القوم لما أعرضوا عن الحق ، وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار
كالطبيعة لهم ، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه ، فقال : ختم الله على
قلوبهم ( 3 ) وكذا في نسبة الاضلال ، فإنهم لما لا يمكن الضلال في قلوبهم حتى
صاروا بسببه لا يأتون معروفا ولا يصغون لدعاة الدين ، فصاروا كأنهم مجبولون
على ذلك الضلال .
ومنها : أن المراد تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى
خالية عن الفطن والهداية إلى طرق التكليف وأنواع الصلاح .
ومنها : أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان والكافر ، لكن لما كان صدوره عنه
باقداره تعالى إياه أسنده إليه اسناد الفعل إلى السبب .
ومنها : أن اعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق
هامش
( 1 ) النساء : 155 .
( 2 ) المنافقون : 3 .
( 3 ) البقرة : 7 .