شرح
قال كمال الدين ميثم رحمه الله : فإن قلت : إذا كان الملائكة المقربون منزهين عن
تدبير الأجسام والتعلق بها ، فكيف يستقيم أن يكونوا من سكان السماوات ؟
قلت : إن علاقة الشئ بالشئ وإضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما ،
والمناسبة بين الاجرام السماوية وبين هذا الطور من الملائكة مناسبة العلة
للمعلول أو الشرط للمشروط ، فكما جاز أن ينسب الباري جل جلاله إلى
الاختصاص بالعرش والاستواء عليه ، جاز أن ينسب الملائكة المقربون إلى
الكون في السماوات بالطريق الأولى ، وإن تنزهوا عن الأجسام وتدبيرها ، لان
عليا عليه السلام قاصد قصد الرسول صلى الله عليه وآله .
وأما ما ذكر لهم من الأوصاف ، مثل قوله عليه السلام ( منهم سجود لا يركعون
وركوع لا ينتصبون وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسامون ) ونحو ذلك مما
يعد في أوصافهم ، فذكروا له ضربا من التأويل ، وهو أن يكون إشارة إلى تفاوت
مراتبهم في العبادة والخضوع ، لان السجود والركوع والصف وتسبيح عبادات
متعارفة بين الخلق ومتفاوتة في استلزام كمال الخضوع ، ولا يمكن حملها على
ظواهرها المفهومة منها ، لان وضع الجبهة على الأرض وانحناء الظهر ونحوه
أمور مبنية على وجود هذه الآلات التي هي خاصة ببعض الحيوانات .
فبالحري أن يحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم في
الخضوع والخشوع لكبرياء الله تعالى وعظمته إطلاقا للملزوم على اللازم ، على أن
السجود في اللغة هو الانقياد والخضوع ، فيحتمل أن يكون قوله عليه السلام ( منهم
سجود ) إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربين ، لان درجاتهم أكمل درجات
الملائكة ، فيكون نسبة خضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود
إلى خضوع الركوع .