شرح
تعالى في نفسه مرئيا ، والتأويلان معا مشتركان في دفع ذلك ، وقد قام كل
واحد مقام صاحبه في الغرض المقصود ، وجرى التأويلان ( 1 ) مجرى الأدلة في
أنه يغني بعضها عن بعض ، ثم قال : وقد خالفت في هذه المذاهب ( 2 ) ، إنتهى .
ومراده بالمذاهب بعضها ، فإن المخالف في ذلك بعض العامة ، وأما أكثرهم
فمعترفون بأن استنباط المعاني على قوانين اللغة العربية مما لا قصور فيه ، بل
يعدونه فضلا وكمالا ، كما يعلم من تتبع كلامهم .
وقد وافق الشيخ على ما حكيناه عنه العالم الرباني ، فإنه قال في شرحه
الكبير : إعلم أن أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب أسدلها
الشيطان على قلوبهم ، فحجبت عن عجائب أسراره ، قال صلى الله عليه وآله : لولا أن
الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت ، ومعاني القرآن
وأسراره من جملة الملكوت ، والحجب المانعة .
أولها : الاشتغال بتحقيق الحروف وإخراجها عن مخارجها والبعد ( 3 ) عن
ملاحظة المعنى ، وقيل : إن المتولي لذلك شيطان وكل بالقراء ليصرف عن معاني
كلام الله ، فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف ويخيل إليهم أنه لم يخرج من
مخرجه ، فيكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف ، فمتى تنكشف له
المعاني ؟ وأعظم مضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس .
وثانيها : أن يقلد مذهبا وتفسيرا ظاهرا ، نقل إليه عن ابن عباس أو مجاهد
أو غيرهما ، فيحمل على التعصب له من غير علم ، فيصير نظره موقوفا على
مسموعه ، حتى لو لاح له بعض الاسرار حمل عليه شيطان التقليد جهله ، ولم
يسوغ له مخالفة آبائه ومعلميه في ترك ما هو عليه من الاعتقاد ، وإلى مثل هذا
هامش
( 1 ) في الذريعة : وجرت التأويلات .
( 2 ) الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 640 - 641 .
( 3 ) في الشرح : والشدق .