بهذا خفض من غلوائهم ، وخدر من أعصابهم ، فتدرجوا معه بالقبول
في الظاهر من أحوالهم شيئا فشيئا والقلوب منهم منطوية على الخلاف والمناوأة
وهذا ما أوجب شدة الاشفاق من رسول الله صلى الله عليه وآله على الدين والأمة ، حتى قفل
صلى الله عليه وآله من حجة الوداع بمن معه من الحجاج ، وهو يوجس
في نفسه خيفة عظيمة ضارعا إلى الله تعالى في أن يرحمه وأمته بالعصمة من
الناس ، فما بلغ غدير خم حتى أوحى الله تعالى إليه : ( يا أيها الرسول بلغ
ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس
إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) ( 923 ) .
هامش
( 923 ) لا كلام عندنا في نزولها بولاية على يوم غدير خم وأخبارنا في ذلك متواترة
عن أئمة العترة الطاهرة ، وحسبك مما جاء في ذلك طريق غيرهم ما أخرجه الإمام الواحدي
في تفسير الآية من سورة المائدة ص 50 من كتابه أسباب النزول من طريقين معتبرين عن
عطية عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من
ربك ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب قلت : وهذا هو الذي أخرجه الحافظ أبو
نعيم في تفسيرها من كتابه ( نزول القرآن ) بسندين أحدهما عن أبي سعيد ، والآخر عن أبي
رافع ، ورواه الإمام إبراهيم بن محمد الحمويني في كتابه ( الفرائد ) بطرق متعددة عن
أبي هريرة ، وأخرجه الإمام أبو إسحاق الثعلبي في معنى الآية من تفسيره الكبير بسندين
معتبرين ، وأخرج العياشي في تفسيره - كما في مجمع البيان - بإسناده عن ابن أبي
عمير عن ابن أذينة عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا : أمر الله
محمد صلى الله عليه وآله أن ينصب عليا للناس فيخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله أن يقولوا حابى
ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه هذه الآية ، فقام صلى الله عليه وآله بولايته يوم
غدير خم ( قال ) في مجمع البيان : وهذا الخبر بعينه قد حدثناه السيد أبو الحمد عن
الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد التنزيل لقواعد
التفصيل والتأويل ( قال ) في المجمع : وفيه بالإسناد المرفوع إلى حيان ( حبان ) ابن علي
الغنوي ( الغنزي ) عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في علي فأخذ رسول
الله بيده فقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . . " إلى
آخر ما في تفسير الآية من مجمع البيان من السنن في هذا المعنى فليراجع .
ومما يشهد له أن الصلاة قبل نزولها ، والزكاة تجبى ، وصوم رمضان يؤدى ،
والبيت كان محجوجا ، والحلال بينا ، والحرام بينا ، والحدود مقامة والشريعة متسقة ،
والأحكام مستتبة ، فأي شئ غير ولاية العهد يستوجب من الله هذا التأكيد ويقتضي الحض
على بلاغة بهذا التهديد الشديد ، وأي أمر غير الخلافة يخشى النبي الفتنة بتبليغه ويحتاج
إلى العصمة من أذى الناس بأدائه ، ويهدد المعارضين بقوله : ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين )
( منه قدس ) .
هذه الآية في سورة المائدة آية 67 ، وقد نزلت يوم ( 18 ) من ذي الحجة سنة 10 ه في غدير خم حينما أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله أن ينصب عليا ( ع ) علما للناس وخليفة
من بعده وذلك يوم الخميس فقد نزل عليه جبرئيل بعد مضي خمس ساعات من النهار
فقال : " يا محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك . . .
الخ " وقد روى نزول هذه الآية في هذا اليوم وفي هذه المهمة عشرات من العلماء في
كتبهم كما روى نزولها عشرات من الصحابة الذين حضروا الحادثة وغيرهم منهم :
1 - عبد الله بن عباس :
شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 / 189 ح 245 و 249 و 250 ط 1 بيروت ،
تفسير الثعلبي مخطوط ، أسباب النزول للواحدي ص 115 ط الحلبي بمصر ، أمالي المحاملي
كما في الغدير ج 1 / 51 ، ما نزل من القرآن في علي لأبي بكر الفارسي الشيرازي
المتوفى 407 أو 411 ه كما في الغدير ج 1 / 216 ، كتاب الولاية لأبي سعيد السجستاني ،
المتوفى 477 ه كما في الطرائف لابن طاوس ج 1 / 121 ، تفسير الرازي ج 3 / 636 ط 1
مفتاح النجا للبدخشاني ، كشف الغمة ج 1 / 311 ، الأربعين لجمال الدين الشيرازي
المتوفى 1000 ه كما في الغدير ج 1 / 222 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 120
ط إسلامبول ، دلائل الصدق ج 2 / 51 .
2 - عبد الله بن أبي أوفى :
شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي ج 1 / 190 ح 247 .
3 - جابر بن عبد الله الأنصاري :
شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 / 192 ح 249 .
4 - البراء بن عازب :
مودة القربى للسيد علي الهمداني المتوفى 786 ه ، تفسير النيسابوري ج 6 / 170
كما في الغدير ج 1 / 221 ، تفسير عبد الوهاب البخاري عند تفسير آية المودة كما في
الغدير ج 1 / 221 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 249 ، دلائل الصدق ج 2 / 51 .
5 - أبو هريرة :
شواهد التنزيل ج 1 / 187 ح 143 ، فرائد السمطين للحمويني ج 1 / 158 ح 120
ط 1 بيروت ، ينابيع المودة ص 120 .
6 - أبو سعيد الخدري :
شواهد التنزيل ج 1 / 188 ح 244 ، أسباب النزول للواحدي ص 115 ط الحلبي
ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج 2 / 86 ح 586 ، الدر
المنثور للسيوطي ج 2 / 298 ، فتح القدير للشوكاني ج 2 / 57 ، مطالب السئول ص 16
ط طهران وج 1 / 44 ط النجف ، الفصول المهمة لابن الصباغ ص 131 ، تفسير النيسابوري
ج 6 / 170 كما في الغدير ج 1 / 221 ، تفسير شاهي ، روح المعاني للآلوسي ج 2 / 348
ينابيع المودة ص 120 ، دلائل الصدق ج 2 / 51 .
7 - زيد بن أرقم :
كتاب الولاية في طرق حديث الغدير للطبري صاحب التاريخ المتوفى 310 ه
كما في الغدير ج 1 / 214 .
8 - ابن مسعود :
الدر المنثور للسيوطي ج 2 / 298 ، كشف الغمة ج 1 / 319 ، مفتاح النجا للبدخشاني
مخطوط ، روح المعاني للآلوسي ج 2 / 348 ، دلائل الصدق ج 2 / 51 .
9 - الإمام محمد الباقر عليه السلام :
الكشف والبيان للثعلبي كما في الغدير ج 1 / 217 ، الخصائص العلوية لأبي فتح
النطنزي كما في الغدير ج 1 / 219 ، تفسير الرازي ج 3 / 636 ط 1 ، عمدة القاري في
شرح صحيح البخاري للعيني الحنفي المولود 762 والمتوفى 855 ه ج 8 / 584 ، ينابيع
المودة للقندوزي ص 120 ، دلائل الصدق ج 2 / 51 .
11 - عطية العوفي :
ما نزل من القرآن في علي لأبي نعيم الإصبهاني المتوفى 430 ه كما في الغدير ج
1 / 218 ، الخصائص العلوية لأبي فتح النطنزي ، دلائل الصدق ج 2 / 51 .
راجع بقية المصادر للآية : في سبيل النجاة في تتمة المراجعات تحت رقم ( 626 )
إحقاق الحق ج 6 / 347 .
وأما من كتب الشيعة فراجع بحار الأنوار ج 37 ط طهران الجديد .