رسول الله بأبي حفص ( 453 ) .
وما أن وضعت الحرب أوزارها - ونصره الله عبده ، وأعز جنده وقتل
الطواغيت سبعين وأسر سبعين آخرين . وجئ بهم موثوقين - حتى قام أبو
حفص يحرض على قتلهم بأشد لهجة قائلا : يا رسول الله إنهم كذبوك وأخرجوك
وقاتلوك فمكني من فلان - لقريب أو نسيب له - فأضرب عنقه ، ومكن عليا من
أخيه عقيل فيضرب عنقه ، ومكن حمزة من أخيه العباس فيضرب عنقه ( 454 ) .
قلت : يا سبحان الله لم يكن عباس ولا عقيل ممن كذبوا رسول الله ، ولا
ممن أخرجوه ، ولا ممن آذوه ، وقد كانوا معه في الشعب أيام حصرهم فيه
يكابدون معه تلك المحن ، وقد أخرجا إلى بدر كرها بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله
لهما بذلك . ونهى رسول الله عن قتلهم والحرب قائمة على ساقها ، فكيف يقتلان
وهما أسيران ؟ . وإذا كان تضور العباس أقلق رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعه النوم ،
فما ظنك بقتله صبرا بلا مقتض لذلك ، فإن العباس كان من قبل ذلك مسلما ،
وإنما كتم إسلامه لحكمة كان لله ورسوله فيها رضا ، وله وللأمة فيها صلاح ( 455 )
هامش
( 453 ) نقل ذلك عنه ابن إسحاق وغيره من أهل السير والأخبار فراجع ص 285 من
الجزء 3 من البداية والنهاية ( منه قدس ) .
أقول وراجع أيضا : الكامل في التاريخ ج 2 / 89 ، تاريخ الطبري ج 2 / 282 ، السيرة
النبوية لابن هشام ج 2 / 281 ، السيرة الحلبية ج 2 / 168 ، ابن أبي الحديد ج 14 / 183 .
( 454 ) الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج 3 / 249 ، صحيح مسلم ك الجهاد والسير
باب الإمداد بالملائكة ج 6 / 157 ، الدرجات الرفيعة ص 82 ، السيرة الحلبية ج 2 /
190 و 191 ، ابن أبي الحديد ج 14 / 183 .
( 455 ) قال مفتي الشافعية في عصره السيد أحمد زيني دحلان حيث ذكر العباس في
غزوة بدر من سيرته النبوية ص 504 من جزئه الأول المطبوع في هامش السيرة الحلبية
نقلا عن المواهب ما هذا لفظه : وكان العباس فيما قاله أهل العلم بالتاريخ قد أسلم قديما
وكان يكتم إسلامه ، وكان يسره ما يفتح الله على المسلمين ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يطلعه على
أسراره حين كان بمكة وكان يحضر مع النبي حين كان يعرض نفسه على القبائل ، وكان
يحثهم ويحرضهم على مناصرته كما تقدم ذلك في حضوره بيعة العقبة التي كانت مع
الأنصار ، فهذا كله يدل على إسلامه .
( قال ) : وكان النبي صلى الله عليه وآله أمره بالمقام بمكة ليكتب له أسرار قريش وأخبارهم ،
ولما أرادت قريش الخروج إلى بدر واستنفرت الناس لم يمكنه التخلف عنها ، ولهذا
قال النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر : من لقى العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها .
( قال ) ولا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وآله لما طلب منه الفداء : ظاهر أمرك أنك كنت علينا
لأن كونه عليهم في الظاهر لا ينافي كونه مكرها في الباطن ، وإنما عامله النبي صلى الله عليه وآله
بظاهر حالة تطييبا لقلوب الصحابة حيث فعل مثل ذلك بآبائهم وأبنائهم وعشائرهم .
( قال ) وكان للعباس مال وديون في قريش وكان يخشى إن أظهر إسلامه ضياعها
عندهم ، فكان يخفي إسلامه بأذن من النبي صلى الله عليه وآله ولم يظهر النبي للصحابة إسلام عمه رفقا
به وخوفا على ضياع ماله .
( قال ) وللنبي صلى الله عليه وآله غرض في إخفاء إسلامه ليكون عينا له ينقل أخبار القوم إليه
ومن ثم لما قهرهم الإسلام يوم فتح مكة أظهر إسلامه ، فهو لم يظهر إسلامه إلا يوم فتح
مكة .
( قال ) وكان العباس كثيرا ما يطلب الهجرة إلى رسول الله ، فكتب النبي صلى الله عليه وآله له :
مقامك بمكة خير لك .
( قال ) وفي رواية كتب إليه : يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه ، فإن الله عز وجل
يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة ، فكان الأمر كذلك فقد كان آخر المهاجرين لأنه
التقى بالنبي صلى الله عليه وآله في الأبواء ولا علم له بخروج النبي لفتح مكة فرجع معه إلى آخر
كلامه ، وللحلبي في سيرته كلام أصرح في تقدم إسلام العباس وزوجته أم الفضل على
الهجرة ، فليراجعه من شاء التتبع ، وليراجع نصوص العلماء في هذا الموضوع ( منه
قدس ) .
الدرجات الرفيعة ص 80 ، السيرة النبوية لابن هشام ج 2 / 301 ، الصحيح من
سيرة النبي الأعظم ج 3 / 242 .