ولا الحرص بجالب فضلا ، فان الرزق مقسوم ، والأجل موقوت ، واستعمال
الحرص يورث المأثم . ورواه أيضا في البحار : 17 ، 145 ، عن تحف العقول .
ورواه أيضا في المجلد 23 ، منه ص 12 ، عن قصص الأنبياء على نحو ما استصوبناه .
ورواه في الحديث 8 ، من الباب 11 ، من كتاب التجارة ، من مستدرك
الوسائل : 2 ، 420 ، عن كتاب التمحيص .
ويدل عليه أيضا ما يجئ من قول السبط الشهيد عليه السلام :
فان تكن الأرزاق قسما مقدرا فقلة حرص المرء في السعي أجمل ، الخ
بل جميع ما نذكر من الكلام المنظوم المنسوب إلى أمير المؤمنين ( ع )
ظاهر في ذلك .
وما قاله الإمام السجاد زين العابدين ( ع ) ، في المختار الأول ، من
الصحيفة السجادية من قوله ( ع ) : جعل لكل روح منهم قوتا معلوما مقسوما
من رزقه ، لا ينقص من زاده ناقص ، ولا يزيد من نقص منهم زائد ، الخ . ( 106 )
هامش
( 106 ) قال بعض المحققين من الشراح : وفى نسخة قديمة : " وجعل لكل
ذي روح منهم قوتا ، الخ " .
والقوت - بالضم - ما يؤكل ليمسك الرمق ، ومنه الحديث : " اللهم
اجعل رزق آل محمد قوتا " اي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم ، وفى الدعاء
من طريق العامة : " وجعل لكل منهم قيتة مقسومة من رزقه " وهي فعلة من
القوت ، اي كمية من القوت ، ومن في قوله ( ع ) : منهم - ابتدائية أو بيانية .
وقوله ( ع ) : معلوما ، اي معلوم الوصف والقدر والوقت ، على حسب ما تقتضيه
الحكمة ، وتستدعيه الإرادة التابعة لها ، لا بما تقتضيه القدرة ، فان ذلك غير
متناه ، إذ تخصيص كل شئ بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون
ما عدا ذلك مع استواء الكل في الامكان واستحقاق تعلق القدرة به ، لابد له من
حكمة تقتضي اختصاص كل ذلك بما اختص به ، وهذا البيان سر عدم تكوين
الأشياء لا على وجه الكثرة حسب ما هو في خزائن القدرة ، كما قال تعالى :
" وان شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم " .
وقوله ( ع ) : مقسوما ، أي معينا مفروزا عن غيره قسمة تقتضيها مشينه
المبنية على الحكمة والمصلحة ، ولم يفوض أمره إليهم علما منه بعجزهم عن تدبير
أنفسهم ، كما قال تعالى : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ،
الخ " .
قوله ( ع ) : من رزقه ، اما متعلق بجعل ، أو بقوله : مقسوما . ومن
يحتمل أن تكون ابتدائية وبيانية وتبعيضية . والضمير اما راجع إلى الله
فيكون من باب إضافة الشئ إلى فاعله ، تأكيدا لجعله أو قسمته ، ليثق
الانسان بوصول ما قدره الله إليه ، فيكف عن الحرص والهلع في طلبه ، أو إلى
الروح فيكون من باب إضافة الشئ إلى صاحبه بيانا لعنايته سبحانه ، وتمليكه
ما يحتاج إليه .
وقوله ( ع ) : من زاده ، مفعول مقدم ، وناقص فاعله ، وهو اسم فاعل
منه . وكذا قوله : من نقص منهم مفعول ، ومفعول نقص محذوف ، أي نقصه
منهم ، والمعنى ان من زاد الله قوته أو رزقه منهم لا ينقصه ناقص ، ومن نقصه
سبحانه لا يزيده زائد ، وقدم المفعول في الفقرتين لمزيد الاعتناء ببيان فعله تعالى ،
من الزيادة والنقصان .