أنهم كلهم قتلة عثمان . فقال علي : ( والله ما أردت ان أدفعهم إليك طرفة
عين ، لقد ضربت هذا الامر أنفه وعينه ، ما رأيته ينبغي لي ان أدفعهم إليك
ولا إلى غيرك ) . فخرج [ أبو مسلم ] بالكتاب وهو يقول : الآن طاب الضراب .
وكان كتاب معاوية إلى علي عليه السلام .
بسم الله الرحمن الرحيم ، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي
طالب ، سلام عليك ، فاني احمد إليك الله الذي لا إله الا هو .
أما بعد فان الله اصطفى محمد بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول
إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم ، فكانوا في منازلهم
عنده على قدر فضائلهم في الاسلام ، فكان أفضلهم في اسلامه ، وأنصحهم
لله ولرسوله الخليفة من بعده ، وخليفة خليفته ، والثالث الخليفة المظلوم
عثمان ، فكلهم حسدت ، وعلى كلهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وفي
قولك الهجر ، وفي تنفسك الصعداء ، وفي ابطائك عن الخلفاء ، تقاد إلى كل
منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره ( 5 ) ثم لم تكن لاحد
هامش
( 5 ) يقال : ( شزر - من باب ضرب - شزرا الرجل واليه ) : نظر إليه
بجانب عينه مع اعراض أو اغضب : وهذا بحسب الخارج يكون من أنحاء نظر
العدو إلى عدوه .
والهجر - كقفل - : الكلام القبيح . الافحاش في النطق ، الاسم من
الاهجار ، يقال : ( اهجر بفلان اهجارا ) استهزأ به وقال فيه قولا قبيحا .
و ( تنفس الصعداء ) : التنفس الطويل الممدود الذي يخرجه جريح القلب من
رئته القريحة وفؤاده المحروق . و ( الفحل ) : الذكر من كل حيوان . ويستعار
غالبا ويستعمل في الجمل لظهور قوته ومهيب صولته إذا سكر أو أبي عن الانقياد .
و ( المخشوش ) : الذي جعل في أنفه الخشاش - بكسر الخاء - وهو عود يجعل
في عظم أنف الجمل - ويقال له بالفارسية ( مهار ) على زنة نهار - وهذه
الاعترافات من معاوية وأشباهه - مما تعاضدها الشواهد الكثيرة ، والآثار
المتواترة الجمة الغفيرة مما تجعل أساس معاوية - ومن وطده وزرعه له
ومن سقاه ورباه - كشفا جرف هار .