أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها ( 1 ) ، واحلولت له الأمور
بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، وأسهلت له
الصعاب بعد إنصابها ( 2 ) ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ،
وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ( 3 ) ، وتفجرت عليه النعم بعد
نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها
فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته ، ووعظكم برسالته ، وامتن
عليكم بنعمته . فعبدوا أنفسكم لعبادته ( 4 ) ، وأخرجوا إليه من
حق طاعته .
ثم إن هذا الاسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه ، واصطنعه على
عينه ، وأصفاه ( 5 ) خيرة خلقه ، وأقام دعائمه على محبته أذل الأديان
بعزته ، ووضع الملل برفعه ، وأهان أعداءه بكرامته ، وخذل
شرح
( 1 ) عزبت بالزاي غابت وبعدت ( 2 ) الأنصاب مصدر بمعنى الأتعاب ( 3 ) تحدب عليه :
عطف . ونضب الماء نضوبا غار وذهب في الأرض . ونضوب النعمة : قلتها أو زوالها . ووبلت
السماء : أمطرت مطرا شديدا . وأرذت - بتشديد الذال - ارذاذا مطرت مطرا ضعيفا
في سكون كأنه الغبار المتطاير ( 4 ) فعبدوا أي فذللوا ( 5 ) اصطناع الشئ على العين :
الأمر بصنعته تحت النظر خوف المخالفة في المطلوب من صنعته ، والمراد هنا تشريع
الدين وتكميله على حسب علم الله الأعلى وتحت عنايته بحفظه . ووجه التجوز
ظاهر ، وأصفاه العطاء وبه أخلص له وآثره به ، وخيرة - بفتح الياء - أفضل ما يضاف