لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره ،
ولا كفؤ له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه . هو المفني لها بعد
وجودها ، حتى يصير موجودها كمفقودها .
وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها .
وكيف لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من
مراحها وسائمها ( 1 ) ، وأصناف أسناخها وأجناسها ( 2 ) ، ومتبلدة أممها
وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت
كيف السبيل إلى إيجادها . ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت ،
وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ( 3 ) عارفة بأنها مقهورة
مقرة بالعجز عن إنشائها . مذعنة بالضعف عن إفنائها .
وإن الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه . كما
كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها . بلا وقت ولا مكان ،
ولا حين ولا زمان . عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون
شرح
( 1 ) مراحها - بضم الميم - اسم مفعول من أراح الإبل ردها إلى المراح بالضم أي المأوى .
والسائم : الراعي يريد ما كان في مأواه وما كان في مرعاه ( 2 ) الأسناخ : الأصول . والمراد
منها الأنواع أي الأصناف الداخلة في أنواعها . والمتبلدة أي الغبية . والأكياس :
جمع كيس - بالتشديد - العاقل الحاذق ( 3 ) الخاسئ : الذليل . والحسير : الكال المعيى