خلق الأجسام والأشباح ؟ أما سمعت قصة الجني ، إذ كان عند النبي صلى الله عليه وآله جالسا ، فأقبل أمير
المؤمنين عليه السلام فجعل الجني يتصاغر لديه تعظيما له وخوفا منه ، فقال : يا رسول الله إني كنت أطير مع
المردة إلى السماء قبل خلق آدم بخمسمائة عام ، فرأيت هذا في السماء فأخرجني وألقاني إلى الأرض ،
فهويت إلى السابعة منها ، فرأيته هناك كما رأيته في السماء ( 1 ) .
أيها السامع لهذه الآثار ، لا تبادر إلى التكذيب والإنكار ، فإن الشمس إذا أشرقت يراها أهل
السماء كما يراها أهل الأرض ، وينفذ ضوؤها ونورها في سائر الأقطار ، وهي في مكانها من الفلك
الدوار ، وليست الشمس أعظم ممن خلقت من نوره سائر الأنوار ، دليله قوله : أول ما خلق الله
نوري ، ثم عصره فخلق منه أرواح الأنبياء ، ثم عصره عصرة أخرى فخلق منه الشمس والقمر
وسائر النجوم ( 2 ) .
فليت شعري ماذا أنكر من أنكر ؟ أأنكر وجوده قبل ا لأشياء ، أم أنكر قدرته على الظهور فيما
يشاء ، ومن أنكر الأول فهو أعور ، ومن أنكر الثاني فإما أن يعمى أو يبصر ! أما تنظر إلى الماء إذا
أفرغ في الأواني الزجاجية ذات الألوان كيف يتلون بألوانها للطفه وبساطته ، والمادة الشفافة إذا
أدنيتها إلى خط مرقوم فإنك تقرأه منها ، والقمر إذا طل على البحر فإنك تراه في أفق السماء وفي قعر
الماء ، ومحمد وعلي هما البحر اللجي ، والماء الذي منه كل شئ حي ، والكلمة التي بها ظهر النور ،
ودهرت الدهور ، وتمت الأمور ، إلى يوم النشور .
ويكفي في هذا الباب قولهم : أمرنا صعب مستصعب لا يحمله نبي مرسل ولا ملك مقرب ( 3 ) .
وإذا كان أمرهم وسرهم لا يحمله الملائكة المقربون ، ولا الأنبياء والمرسلون ، وسكان الحضرة الإلهية لا
يعرفون ، فكيف رددتم ما لم تحيطوا به خبرا وكذبتموه ؟ ألم تعلموا أنهم الشجرة الإلهية التي كل
الموجودات أوراقها وألفاقها ؟ والسر الخفي المجهول الذي لا تدركه الأفهام والعقول ، ولله در أبي
نؤاس إذ يقول :
لا تحسبني هويت الطهر حيدرة * لعلمه وعلاه في ذوي النسب
ولا شجاعته في كل معركة * ولا التلذذ في الجنات من أربي
هامش
( 1 ) حلية الأبرار : 2 / 16 ، ومدينة المعاجز : 2 / 445 .
( 2 ) راجع البحار : 15 / 24 و : 25 / 22 .
( 3 ) تقدم الحديث مع تخريجه .