علم شيئا دون شئ لاتصف بالعلم تارة وبالجهل أخرى ، فكان جاهلا وهو عالم ، هذا خلف ، ولو
جهل لارتفعت الولاية والعصمة ، ما اتخذ الله وليا جاهلا قط ، فيلزم لو جهل عدم الولي أو كونه
جاهلا وهو محال ، فيكون عالما بالكل وهو المطلوب ، وإليه الإشارة بقول ابن أبي الحديد في مدحه
له عليه السلام :
وذو المعجزات الباهرات أقلها * الظهور على مستودعات السرائر
( 1 ) دليله قوله الحق : ( أنا الهادي بالولاية ) ( 2 ) فهو عليه السلام غيب الله المكتوب ، وعلمه المنصوب ،
وخزانة غيبه في سماواته وأرضه ، ووارث أسرار نبيه ، فهو الإمام المبين الذي كلفه الله هداية الخلق ،
وقضى فيه كل شئ فكل علم نزل إلى النبي صلى الله عليه وآله فهو عنده ومنه وفيه ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله :
( أنت مني وأنا معك سري وعلانيتي ، وأنت روحي التي بين جنبي ، لحمك لحمي ، ودمك
دمي ، وما أفرغ جبرائيل في صدري حرفا إلا وقد أفرغته في جوفك ) ( 3 ) ( 4 ) .
وهذا كلام عظيم يصرح لعلي بالتشريف والتعظيم ، والتفضيل والتقديم ، حيث هو قسيم بنعمة
النبي الكريم ، وشقيق نور الرؤوف الرحيم ، فهو منه في النور والروح والطينة ، والظاهر والباطن ، ولا
فوق هناك إلا النبوة ، وهو الآيات والمقامات والكلمات التامات ، والأنوار الباهرات تقصر القول
عن معرفة أسرارها ، وتعمى عيون الأفهام عن بوارق أنوارها ، سر الرحمن الرحيم ، وما يلقاها إلا
ذو حظ عظيم ، ومن أنكر أن الإمام يعلم الغيب أنكر إمامته ، ومن أنكر إمامته لا يبالي محو المحكم من
كتاب الله أو جحد نبوة الأنبياء ، وزعم أنه ليس إله في السماء ، فوجب أن يعلم الولي أهل ولايته
أحياء وأمواتا ، وإلا لكان عالما في وقت دون وقت وهو محال ، لأن الولي هو الإنسان الكامل ،
فكيف يكون كاملا ناقصا ، هذا خلف ؟
هامش
( 1 ) الإمام علي للهمداني ط طهران .
( 2 ) بحار الأنوار : 26 / 153 ح 41 بتفاوت .
( 4 ) نفحات السرار باختصار 4 / 316 وفي لفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ( معاشر الناس ما من علم إلا علمنيه ربي وأنا علمته عليا ) تفسير نور الثقلين : 4 / 379 ومناقب ابن المغازلي : 50 ح 73 .
( 1 ) الإمام علي للهمداني ط م طهران