تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
قرأ في العشاء بالتين والزيتون ، فما سمعت صوتا أحسن منه » « 1 » فأضاف الصوت إليه ، ثم ذكر حديث ابن عباس : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان متواريا بمكة وكان يرفع صوته بالقرآن ، وفإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن جاء به ، فأنزل اللّه تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها
« 2 » ، ثم قال : باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز تراقيهم ، وذكر في الباب حديث أبي سعيد الخدري : « يخرج أناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم » « 3 » ، ومعلوم أن المراد التلاوة والأداء وما قام بهم من الأصوات ، وأنها لم تجاوز حناجرهم ، وكان البخاري قد امتحن بهذه الفرقة ، فتجرد للرد عليهم وبالغ في ذلك في كتاب « خلق أفعال العباد » فإنه بناه على ذلك وأن أصوات العباد من أفعالهم أو متولدة عن أفعالهم فهي من أفعالهم ، فالصوت صوت العبد حقيقة ؛ والكلام كلام اللّه حقيقة ، أداه العبد بصوته كما يؤدى كلام الرسول وغيره بصوته ، فالعبد مخلوق ، وصفاته مخلوقة وأفعاله مخلوقة ، وصوته وتلاوته مخلوقة ؛ والمتلو المؤدى بالصوت غير مخلوق . واحتج البخاري في « الصحيح » وفي « خلق أفعال العباد » على ذلك بنصوص التبليغ ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
( المائدة : 67 ) وقوله :
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
( الشورى : 48 ) وقوله :
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي
( الأعراف : 79 ) وهذا من رسوخه في العلم ، فإن ذلك يتضمن أصلين ضل فيهما أهل الزيغ ( أحدهما ) أن الرسول ليس له من الكلام إلا مجرد تبليغه ، فلو كان هو قد أنشأ ألفاظه لم يكن مبلغا بل منشئا مبتدئا ، ولا تعقل الأمم كلها من التبليغ سوى تأدية كلام الغير بألفاظه ومعانيه ولهذا يضاف الكلام إلى المبلغ عنه لا إلى المبلغ .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 767 ) ، ومسلم ( 464 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 7547 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 7562 ) .