تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
وقالت فرقة : إن القرآن لم يخلقه اللّه تعالى في الحقيقة ولا هو فعله ، فإنه عرض وهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا للّه . قالوا فهو فعل المحل الذي قام به . وهذا قول معمر وأصحابه من المعتزلة . قالت فرقة : إن اللّه سبحانه خلق كلامه في اللوح المحفوظ ثم مكن جبرائيل أن يأخذه منه نقلا ويعلمه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، فجبرائيل إذا نطق به كان نطقه بمنزلة من يقرأ كتاب غيره ، لكن الحروف والأصوات في الحقيقة لجبرائيل لم تقم بذات الرب حروف القرآن ولا ألفاظه ، ولا سمعه جبرائيل من اللّه تعالى ، وإنما نزل من به المحل الذي خلق فيه . وهذا قول كثير من الكلابية ، فعندهم أن المسموع قول الرسول الملكي حقيقة سمعه منه الرسول البشري ، فأداه كما سمعه فالرسول الملكي ناقل لما في اللوح المحفوظ غير سامع له من اللّه ، والرسول البشري ناقل له عن جبرائيل قوله وألفاظه . ومن هؤلاء من يقول : بل اللّه تعالى ألهم جبرائيل معانيه ، فعبر عنها جبرائيل بعبارته ، فهذه الألفاظ كلام جبرائيل في الحقيقة لا كلام اللّه . ومنهم من يقول : جبرائيل علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم معانيه وألقاها في روعه ، ومحمد رسول اللّه ، أنشأ ألفاظها وعبر بها من عنده دلالة على ذلك المعنى الذي ألقاه إليه الملك ، فالقرآن العربي على قولهم قول محمد صلى اللّه عليه وسلّم أو قول جبرائيل عليه السلام ، وهذا قول من لا نسميهم لشهرتهم ، وإن حرفوا العبارة وزينوا له الألفاظ ، فهو قولهم الذي يناظرون عليه ويكفرون من خالفهم فيه ، يقولون فيه : قال أهل الحق كذا وقالت سائر فرق أهل الزيغ بخلافه . وقالت فرق أخرى : بل لسان التالي مظهر للكلام القديم ، فيسمع منه عند التلاوة كما سمع موسى كلام اللّه من الشجرة ، فلسان التالي كالشجرة محل ومظهر للكلام ، فإذا قال التالي
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
كان المسموع كله حروفه وأصواته غير كلام اللّه القائم به من غير حلول في القارئ ولا اتحاد به ، كما أن اللّه سبحانه لم يحل في الشجرة ولا اتحد بها ، وسمع موسى كلامه منها .