تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
إذا دخل المسجد قال : « أعوذ باللّه العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم » « 1 » فتأمل كيف قرن في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم - وهذا صريح في إبطال قول من قال أنه الذات نفسها وقول من قال أنه مخلوق . الوجه الثامن عشر : إن تفسير وجه اللّه بقبلة اللّه وإن قاله بعض السلف كمجاهد وتبعه الشافعي ، فإنما قالوه في موضع واحد لا غير وهو قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
( البقرة : 115 ) فهب أن هذا كذلك في هذا الموضع ، فهل يصح أن يقال ذلك في غيره في المواضع التي ذكر اللّه تعالى فيها الوجه ، فما يفيدكم هذا في قوله :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
( الرحمن : 27 ) وقوله :
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
وقوله
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
( الإنسان : 10 ) على أن الصحيح في قوله :
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه ، فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنى واحد ، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة وهو قوله :
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة ، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة ، فحمله على غير القبلة كنظائره كلها أولى ، يوضحه : الوجه التاسع عشر : أنه لا يعرف إطلاق وجه اللّه على القبلة لغة ولا شرعا ولا عرفا بل القبلة لها اسم يخصها ، والوجه له اسم يخصه ، فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا يستعار اسمه له . نعم القبلة تسمى وجهة كما قال تعالى :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا
( البقرة : 148 ) وقد تسمى جهة وأصلها وجهة لكن أعلمت بحذف فائها كزنة وعدة وإنما سميت قبلة ووجهة لأن الرجل يقابلها ويواجهها بوجهه وأما تسميتها وجها فلا عهد به ،
هامش
( 1 ) [ صحيح ] رواه أبو داود ( 466 ) وسكت عنه وصححه الشيخ الألباني في « صحيح أبي داود » .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 538 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي