تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
عقليين ، بل الحسن ما فعله أو ما يفعله فكله حسن
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( الأنبياء : 23 ) قالوا : والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في غير ملكه ، فأما تصرف الملك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو نهى ناه ، فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا . فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها والتزموا لوازم هذا الأصل بأنه لا يجب على اللّه شيء ، ولا يحرم عليه شيء ، ولا يقبح منه ممكن . وقالت القدرية : هذا لا يرد على أصولنا ، وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن اللّه تعالى خالق أفعال العباد ، وطاعتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم ، وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له ، فخلق أهل الكفر للكفر ، وأهل الفسوق للفسوق قدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم . فهذه الأسئلة واردة عليهم . وأما نحن فعندنا أن اللّه تعالى عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكنهم منه ورضية لهم وأحبه ، ولكنهم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان ، واللّه تعالى لم يكرههم على ذلك . ولم يجبلهم عليه ولا شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم ، ولكنها أعمال هم لها عاملون وشرورهم لها فاعلون . فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته ؛ ولم يخلق لمعصيته والكفر به . وصرح قدماء هذه الفرقة بأن اللّه سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أنه يصدر منه ما صدر ، ولو علم ذلك منه لم يخلقه . وأبى متأخرون ذلك . وقالوا : بل كان سبحانه عالما به وخلقه امتحانا لعباده ليظهر المطيع له من العاصي ، والمؤمن من الكافر ، وليثبت عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته أفضل الثواب . قالوا : وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتّى تنقضي الدنيا وأهلها ، قالوا : وأمره بالسجود ليطيعه فيثيبه ، فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه من الرب ولا إلجاء له إلى ذلك . ولا حال بينه وبين السجود ، ولا سلطه على آدم وذريته قهرا ، وقد اعترف عدو اللّه بذلك حيث يقول
وَما كانَ
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 294 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي