تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
ثم سلطني على بني آدم ، فلما استمهلته امهلنى فقلت « أنظرني إلي يوم يبعثون » فقال « إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم » ( ص : 79 - 81 ) وما الحكمة في ذلك ؟ بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني ، وما بقي شر في العالم ، أليس بقاء العالم على نظام الخير خير من امتزاجه بالشر ؟ قال فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسأله . قال شارح الإنجيل : فأوحى اللّه تعالى إلى الملائكة ، قالوا له : إنك في مسألتك الأولى : إني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص ؛ إذ لو صدقت إني رب العالمين ما احتكمت عليّ بلم ، فأنا اللّه الّذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل ، والخلق مسؤولون قال : هذا مذكور في التوراة والزبور مسطور في الإنجيل على الوجه الّذي ذكرته . وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول : من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان ووساوسه ، ونشأت من شبهاته . وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلال إلى سبع ، ولا يجوز أن تعدوها شبهة أهل الزيغ والكفر ، وان اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذر ترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق ، وإلى الجنوح إلى الهوي والرأي في مقابلة النص . والذين جادلوا هودا ؛ ونوحا ، وصالحا ، وإبراهيم ، ولوطا . وشعيبا ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلوات اللّه وسلامه عليهم . كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاتهم . وحاصلها يرجع إلى رفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع عن هذه الشبهة نشأ ، فإنه لا فرق بين قولهم
أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا
( التغابن : 6 ) ، وبين قوله
أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
( الإسراء : 61 ) ، ومن هذا قوله تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
( الإسراء : 94 ) .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 291 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي