تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
فهذه القصة في المناظرة هي نقل أهل الكتاب ، ونحن لا نصدقها ولا نكذبها ، وكأنها واللّه أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس . على كل حال فلا بر من الجواب عنها سواء صدرت عنه أو قيلت على لسانه فلا ريب أنها من كيده . وقد أخبر تعالى
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
( النساء : 76 ) . فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب موقعها عند من أصل أصولا فاسدة كانت سدا بينه وبين ردها . وقد اختلف طرق الناس في الأجوبة عنها فقال المنجمون وزنادقة الطبائعيين والفلاسفة : لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيء من ذلك ، بل لم يزل الوجود هكذا ولا يزال نسلا بعد نسل وأمة بعد أمة وإنما أمثال مضروبة لانفعال القوى النفسانية الصالحة لهذا البشر ، وهذه القوى هي المسماة في الشرائع بالملائكة واستعصت القوى الغضبية والشهوانية : وهي المسماة بالشياطين . فعبروا عن خضوع القوى الخيرية الفاضلة بالسجود ، وعبر عن إباء القوى الشريرة بالإباء والاستكبار وترك السجود . قالوا : والحكمة الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه ، واسكان هذه القوى فيه وانقياد بعضها له وإباء بعضها . فهذا شأن الإنسان . ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن إنسانا قالوا : وبهذا تندفع الأسئلة كلها ، وإنها بمنزلة أن يقال : لم أحوج الإنسان إلى الأكل والشرب واللباس . ولما أحوجه إليها ، فلم جعله يبول ويتغوط ويمخط ؟ ولم جعله يهرم ويمرض ويموت ؟ فإن هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية . فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها وأبطلت آدم وإبليس والملائكة ، وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور معنوية . وقالت الجبرية ، ومنكروا العلل والحكم : هذه الأسئلة إنما ترد على من يفعل لعلة أو غرض أو لغاية . فأما من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض ، بل يفعل بلا سبب فإنما مصدر مفعولاته محض مشيئته وغايتها مطابقتها بعلمه وإرادته ، فيجىء فعله عن وفق إرادته وعلمه . وعلى هذا فهذه الأسئلة كلها . إذ مبناها على أصل واحد ، وهو تعليل أفعال من لا تعلل أفعاله ولا يوصف تحسن ولا قبح