تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
السادس عشر : أن طرق العلم ثلاثة : الحس ، والعقل ، والمركب منهما ، فالمعلومات ثلاثة أقسام : أحدها : ما يعلم بالعقل ، والثاني : ما يعلم بالسمع ، والثالث : ما يعلم بالعقل والسمع . وكل منهما ينقسم إلى ضروري ونظري . وإلى معلوم ومظنون وموهوم . فليس كل ما يحكم به العقل يكون علما . بل قد يكون ظنا أو وهما كاذبا . كما أن ما يدركه السمع والبصر كذلك . فلا بد من حاكم يفصل بين هذه الأنواع . فإذا اتفق العقل والسمع أو العقل والحس على قضية كانت معلومة يقينية . وإذا انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية ، كما ذكر من أغلاط الحس في رؤية المتحرك أشد الحركة وأسرعها ساكنا ، والساكن متحركا ، والواحد اثنين ، والاثنين واحدا ، والعظيم الجرم صغيرا ، والصغير كبيرا ، والنقطة دائرة وأمثال ذلك وهذه الأمور يجزم بغلطها لمتفرد الحس بها عن العقل . وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبا ، وقد يكون صادقا ، ضرورة ونظرا . وقد يكون ظنيا ، فإذا قارنه العقل كان حكمه علما ضروريا كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة . فإنه حصل بواسطة السمع والعقل فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه من ذلك ، والعقل حكم بأن المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ضروريا أو نظريا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به ، والنزاع في كونه ضروريا أو نظريا لا فائدة فيه . وكذلك الوهم يدرك أمورا لا يدرى صحيحة هي أم باطلة ، فيردها إلى العقل الصريح ، فما صححه منها قبله ، ما حكم ببطلانه رده . فهذا أصل يجب الاعتبار به ، وبه يعرف الصحيح من الفاسد . إذا عرف هذا فمعلوم أن السمع الذي دل العقل على صحته أصبح من السمع الذي لم يشهد له عقل . ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد ، وما ذلك إلا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطئون على الكذب ، وإن كان الذي أخبروا به مخالف لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه ، فلا نجد محيدا عن تصديقهم ، والدلالة العقلية البرهانية على صدق الرسل أضعاف
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 168 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي