تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد عن المعارض . وإن كان مقرا بالرسالة فالكلام معه في مقامات : أحدها صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما أخبر به ، فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنبوة ، وإن زعم أنه مقر بها ، وإن الرسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحق تقريبا لأفهامهم ، ومضمون هذا أنهم كذبوا للمصلحة . وهذه حقيقة قول هؤلاء . وهو عندهم كذب حسن . وإن أقر بأنه صادق فيما أخبر به ، فالكلام معه في المقام الثاني : وهو أنه هل يقر بأنه أخبر به أو لا يقر به . فإن لم يقر به جهلا عرف ذلك بما يعرف به أنه دعا إلى اللّه وحارب أعداءه ، فإن أصر على إنكار ذلك فقد أنكر الأمور الضرورية كوجود بغداد ومكة . وإن أقر أنه أخبر بذلك فالكلام معه في المقام الثالث : وهو أنه هل أراد ما دل عليه كلامه ولفظه أو أراد خلافه ؟ فإن ادعى أنه أراده فالكلام معه في المقام الرابع . وهو أن هذا المراد هل هو حقيقة في نفسه أو باطل ؛ فإن كان حقا لا يتصور أن يعارضه دليل عقلي البتة ؛ وإن كان باطلا انتقلنا معه إلى مقام خامس ، وهو أنه هل يعلم الحق في نفس الأمر أو ( لا ) يعلمه ؟ فإن قال : لم يكن عالما به فقد نسبه إلى جهل ، وإن قال كان عالما به ، انتقلنا معه إلى مقام سادس : وهو أنه هل يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق كما فعلتم أنتم بزعمكم ، أم لم يكن ذلك ممكنا له ؟ فإن لم يكن ذلك ممكنا له كان تعجيزا له عن أمر قدر عليه أفراخ الفلاسفة وتلامذة اليهود ، وأوقاح المعتزلة والجهمية . وإن كان ممكنا له ولم يفعل ذلك غشا لأمته ، وتوريطا لهم في الجهل باللّه وأسمائه وصفاته : واعتقاد ما لا يليق بعظمته فيه ؛ وأن الجهمية وأفراخ الصابئة واليونان نزهوا اللّه عما لا يليق به ، وتكلموا بالحق الذي كتمه الرسول . وهذا أمر لا محيد لكم عنه . فاختاروا أي قسم شئتم من هذه الأقسام . والظاهر أنكم متنازعون في الاختيار ، وأن عقلاءكم يختارون أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يعرف الحق في خلاف ما أخبر به ، وأنه كان قادرا على التعبير عنه ولكن ترك ذلك خشية التنفير . فخاطب الناس خطابا جمهوريا بما يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه . وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم بالرسول وأقررتم بما جاء به .