تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥

( صريح العقل موافق لصحيح النقل )

الثاني عشر : إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة . ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خلف النصوص الصريحة الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها ، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها . فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد ، تجد ما يدل عليه صريح النقل لم يخالفه لما دل عليه العقل . ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول وإن أخبروا بمجازات العقول ، فلا يخبرون بما يحيله العقل . الثالث عشر : إن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد الأبدان : التي يسميها أربابها حججا عقلية في كل معارضة للنقل ، وهي أقوى من الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل ومن جنسها أو قريب منها كما قيل :
دع الخمر يشربها الغواة فإني * رأيت أخاه مغنيا عن مكانها
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه * أخوها غذته أمه بلبانها
قد أورد على القدح في النبوات ثمانين شبهة أو أكثر ، وهي كلها عقلية ؛ وأورد على إثبات وجود الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة ، وأورد على المعاد مثل ذلك ، واللّه يعلم أن هذه الشبهة من جنس شبه نفاة الصفات وعلو اللّه على خلقه وتكليمه وتكلمه ؛ ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة ، لكن نفقت هذه الشبهة بجاه نسبة أربابها إلى الإسلام ؛ وأن القوم يذبون على دين اللّه وينزهون الرب عما لا يليق به : وإلا فعند التحقيق القاع عرفج ولا فرق بين الشبه المعارضة لأصل نبوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وبين الشبه المعارضة لما أخبر به . ومن تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال ، وربما وجد الشبه القادحة في أصل النبوة أكثر من الشبه المعارضة لما أخبرت به الرسل . فنقول لمن قدم المعقول على ما أخبر به الرسول : هل تقدم المعقول المعارض
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 165 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي