ثمّ بيّن سبحانه حكاية قول الجنّ * ( [ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّه ِ ] ) * يعنون محمّدا إذ دعاهم إلى خلع الأنداد دونه وصدّقوا بتوحيد اللَّه وآمنوا به * ( [ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ] ) * أي فإنّكم إن آمنتم باللَّه ورسوله . وإنّما بعّض في الآية لأنّ من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوه .
واختلف بأنّ هل للجنّ ثواب كما للإنسان قيل : نعم : وقيل : لا ثواب لهم إلَّا النجاة من النار لقوله : * ( [ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ] ) * والصحيح أنّهم في حكم بني آدم لأنّه قال عليّ بن إبراهيم : فجاؤوا إلى رسول اللَّه يطلبون شرائع الإسلام فأنزل اللَّه على نبيّه « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه ُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ » إلى آخر السورة ، فآمنوا إلى رسول اللَّه .
وفي هذا دلالة على أنّه كان مبعوثا إلى الجنّ كما كان مبعوثا إلى الإنس ولم يبعث اللَّه قبله نبيّا إلى الإنس والجنّ .
* ( [ وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّه ِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ ] ) * أي لا يعجز اللَّه فيسبقه ويفوته ولا مهرب له منه * ( [ وَلَيْسَ لَه ُ مِنْ دُونِه ِ أَوْلِياءُ ] ) * أي لا يكون له أنصار يمنعونه من عذاب اللَّه إذا نزل بهم هذا من كلام رسل الجنّ ويجوز أن يكون من كلام اللَّه تعالى ابتداء ثمّ قال : * ( [ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ] ) * أيّ الَّذين لا يجيبون داعي اللَّه في عدول عن الحقّ وفي ضلالة واضحة .
ثمّ قال منبّها على قدرته على البعث والإعادة : * ( [ أَوَلَمْ يَرَوْا ] ) * ولم يعلموا * ( [ أَنَّ اللَّه َ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ ] ) * وأنشأهما * ( [ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ] ) * أي لم يصبه في خلق ذلك أعباء ولا تعب يقال : عيّ فلان بأمره إذا لم يقدر عليه * ( [ بِقادِرٍ ] ) * الباء زائدة وموضعه رفع بأنّه خبر أنّ * ( [ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ] ) * أي خلق السماوات والأرض أعجب من إحياء الموتى .
ثمّ قال : * ( [ بَلى إِنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] ) * ثمّ عقّبه بذكر الوعيد فقال : * ( [ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ] ) * أي يقال لهم على وجه التهكّم : أليس هذا
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 133
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٣٣