أن أجيئك ، وللساكت : قد نجوت فاسكت ودم على ما أنت عليه . وتقريره وهو أنّ الملك يتّقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله لم يؤمر بالتقوى بالمعنى الأوّل ولا بالمعنى الثاني وأمّا الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا وكيف والأمور الدنيويّة شاغلة والآدميّ في الدنيا تارة مع اللَّه وأخرى مقبل على ما لا بدّ منه وإن كان معه اللَّه وإلى هذا إشارة بقوله : « إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ » يعني أنّه يرفع الحجاب عنّي وقت الوحي ثمّ أعود إليكم كأنّي منكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور .
وبعبارة أخرى إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله كلّ لحظة كان يزداد علمه ومرتبته حتّى حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركا للأفضل فكان له في كلّ ساعة تقوى متجدّدة فقوله :
« اتَّقِ اللَّه » على هذا البيان أمر بما ليس فيه وإلى هذا أشار صلَّى اللَّه عليه وآله بقوله : من استوى يوماه فهو مغبون ، وهو قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : ربّ زدني علما ، وهذه نكتة استغفاره صلَّى اللَّه عليه وآله في كلّ يوم سبعين مرّة ليجدّد له مقام فوق مقام كان عليه .
قوله : * ( [ ولا تُطِعِ الْكافِرِينَ والْمُنافِقِينَ ] ) * يقرّر قولنا : اتّق اللَّه تقوى تمنعك من طاعتهم . وسبب النزول : نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي أعور السلميّ قدموا المدينة ونزلوا على عبد اللَّه بن ابيّ بعد غزوة أحد بأمان من رسول اللَّه ليكلَّموه فقاموا وقام معهم عبد اللَّه بن ابيّ وعبد اللَّه بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فدخلوا على رسول اللَّه فقالوا : يا محمّد ارفض ذكر آلهتنا اللَّات والعزّى ومناة وقل : إنّ لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربّك فشقّ ، ذلك على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال عمر بن الخطَّاب :
ائذن لنا في قتلهم فقال : إنّي أعطيتهم الأمان وأمر صلَّى اللَّه عليه وآله فأخرجوا من المدينة فنزلت :
« ولا تُطِعِ الْكافِرِينَ والْمُنافِقِينَ » .
وقيل : نزلت في أناس من ثقيف قدموا على رسول اللَّه فطلبوا منه أن يمتّعهم باللَّات والعزّى سنة قالوا : لتعلم قريش مكانتنا منك .
* ( [ إِنَّ اللَّه كانَ عَلِيماً حَكِيماً ] ) * أي عليم بما يكون قبل كونه ، حكيم فيما يخلقه .
لمّا نهاه عن متابعة الكفّار أمر باتّباع أو امره ونواهيه على الإطلاق فقال : * ( [ واتَّبِعْ
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 274
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٧٤