المعنى : لمّا شبّه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلا آخر فقال : * ( [ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ ] ) * بقدرها ومن حقّ الماء أن يستقرّ في الأودية المنخفضة عن الجبال بمقدار سعة تلك الأودية وما زاد ينبسط على الأرض ومن حقّ الزبد والوغف الَّذي يحتمله الماء أن يطغو ويربو عليه ثمّ يتبدّد في الأطراف ويضمحلّ .
شبّه سبحانه الحقّ والإسلام بالماء الصافي النافع للخلق والباطل بالزبد الذاهب الباطل الَّذي لا ينفع للناس أبدا ، فالماء مثل القرآن الَّذي يوجب اليقين المفيد ، والوساوس الباطل مثل الزبد الَّذي لا يفيد إلَّا الشكّ . ثمّ ذكر نوعا آخر من الزبد غير المفيد الَّذي لا يطَّهر إلَّا بالنار كالذهب والفضّة والرصاص ممّا يذاب لاتّخاذ الحلية وجواهر الأرض يتّخذ منها الأواني مثل زبد الماء فإنّ هذه الأشياء الَّتي تستخرج من المعادن وتوقد عليها النار لتميّز الخالص من الخبيث لها فإنّه أيضا ينفصل عنها نوع من الزبد والخبيث لا يفيد أصلا بل يضيّع ويبطل ويبقى الخالص ، فكذلك الكفر والإيمان فالزبد يجمع منها ويذهب ويترك هدرا ويلقى بحيث لا ينتفع به ، والماء الصافي والأعيان من الجواهر فيمكث وينتفع به الناس * ( [ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّه ُ الأَمْثالَ ] ) * .
قوله : * ( [ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ] ) * قيل : إنّه تمّ الكلام عند قوله : « يَضْرِبُ اللَّه ُ الأَمْثالَ » ثمّ استأنف بقوله : « لِلَّذِينَ » . وقيل : متّصل بما قبله يعني أنّ الَّذي يبقى مثل الَّذين استجابوا لربّهم والَّذي يذهب جفاء مثل الَّذين لا يستجيب . والمراد ب « الذين استجابوا » الَّذين أطاعوه وآمنوا به فلهم الحسنى أي لهم الحالة الحسنة وهي الجنّة .
* ( [ وَالَّذِينَ ] ) * ما أطاعوه وآمنوا به * ( [ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَ ] ) * يضاعف * ( [ مِثْلَه ُ ] ) * جعلوا ذلك فدية عن أنفسهم من العذاب لا يقبل منهم ، ومفعول « لَافْتَدَوْا » محذوف ، هؤلاء الموصوفين لهم عدم قبول عذرهم بالفداء وعدم العفو - أجارنا اللَّه من هذه العقوبة - و * ( [ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ] ) * لأنّ كفرهم أحبط أعمالهم * ( [ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ] ) * المقرّ والمأوى وسوء الحساب ، أخذهم بذنوبهم كلَّها من دون أن يغفر لهم بشيء ، ومن نوقش في الحساب عذّب والكافر يحاسب
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 87
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٨٧