سبحانه لم يزل يصرف نبيّه محمّدا وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة حتّى أكمل لهم شرائعه وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ، ثمّ قال : رضيت لكم الحال الَّتي أنتم عليها اليوم فالزموها ولا تفارقوها .
ثمّ عاد الكلام إلى القضيّة المتقدّمة في التحريم والتحليل ، وإنّما ذكر قوله :
« الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * - إلى قوله - * ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً » اعتراضا .
* ( [ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ] ) * معناه : فمن دعته الضرورة في مجاعة حتّى لا يمكنه الامتناع من أكله ، عن ابن عبّاس وقتادة والسدّيّ * ( [ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإِثْمٍ ] ) * أي غير مائل إلى إثم وهو نصب على الحال يعني فمن اضطرّ إلى أكل الميتة وما عدّد اللَّه تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمّد لذلك ولا مختار له ولا مستحلّ له ، فإنّ اللَّه سبحانه أباح تناول ذلك له قدر ما يمسك به رمقه بلا زيادة عليه ، عن ابن عبّاس وقتادة ومجاهد ، وبه قال أهل العراق .
وقال أهل المدينة : يجوز أن يشبع منه عند الضرورة . وقيل : إنّ معنى قوله : « غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإِثْمٍ » غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا أو خارجا في معصية ، عن قتادة .
* ( [ فَإِنَّ اللَّه َ غَفُورٌ رَحِيمٌ ] ) * في الكلام محذوف دلّ عليه ما ذكر ، والمعنى : فمن اضطرّ إلى ما حرّمت عليه غير متجانف لإثم فأكله فإنّ اللَّه غفور لذنوبه ، ساتر عليه أكله لا يواخذه به ، وليس يريد أنّه يغفر له عقاب ذلك الأكل لأنّه أباحه له ، ولا يستحقّ العقاب على فعل المباح ، وهو رحيم أي رفيق بعباده ، ومن رحمته أباح لهم ما حرّم عليهم في حال الخوف على النفس
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 4 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّه ُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه ِ عَلَيْه ِ وَاتَّقُوا اللَّه َ إِنَّ اللَّه َ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 4 )
النزول : عن أبي رافع قال : جاء جبرائيل إلى النبيّ صلى اللَّه عليه وآله يستأذن عليه فأذن له وقال : قد أذنّا لك يا رسول اللَّه ، قال : أجل ولكنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ، قال أبو رافع : فأمرني رسول اللَّه أن أقتل كلّ كلب بالمدينة فقتلت حتّى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها وجئت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فأخبرته فأمرني فرجعت