فلما أصبح غدا يستدل عليه حتى جاءه ، فقال : قدمت هذا البلد ولم تنزل بنا ، ولم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلك عندنا عليّ ، وعليّ إن كان لك منزل إلا عندي ، قال : نعم نتحول إليك الليلة أو في غد . فلما ولى / قال عروة لأهله : قد كان ما ترون ، وإن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن رأسي ولألحقن بقومكم فليس عليّ بأس . فارتحلوا وركبوا طريقهم ونكس عروة ولم يزل مدنفا حتى نزلوا وادي القرى .
وفي رواية أخرى : أن حزاما هلك وترك ابنه عروة صغيرا في حجر عمه عقال بن مهاصر ، وكانت عفراء تربا لعروة يلعبان جميعا ويكونان معا حتى [ ألف كل واحد منهما ] ألفا شديدا ، وكان عقال يقول لعروة لما يرى من الفهما : أبشر ، فإن عفراء امرأتك إن شاء الله ، وكانا كذلك حتى بلغا ، فأتى عروة عمة له يقال لها هند بنت مهاصر ، فشكى إليها ما به من حب عفراء ، وقال لها : يا عمة إني لأكلمك وأنا مستحي منك ، ولم أفعل هذا حتى ضقت ذرعا بما أنا فيه ، فذهبت عمته إلى أخيها ، فقالت : يا أخي قد أتيتك في حاجة أحب أن تحسن قضاءها ، فإن الله يؤجرك بصلة رحمك ، قال : إن تسأليني لا أردك فيها ، قالت : تزوج عروة ابن أخيك بابنتك عفراء ، فقال : ما عنه مذهب ، ولا بنا عنه رغبة ، ولكنه ليس بذي مال ، وليست عليه عجلة ، فسكت عروة بعض السكوت ، وكانت أمها لا تريد إلا ذا مال ، فعرف عروة ان رجلا ذا مال قد خطبها ، فأتى عمه ، فقال : يا عم ، قد عرفت حقي وقرابتي ، وإني ربيت في حجرك ، وقد بلغني أن رجلا يخطب عفراء فإن أسعفته بطلبتي قتلتني وسفكت دمي ، فأنشدك الله ورحمي وحقي ، فرق له ، وقال : يا بني ، أنت معدم ، وأمها قد أبت أن تخرجها إلا / بمهر غال ، فاضطرب واسترزق الله .
فجاء إلى أمها ولاطفها وداراها فأبت إلا بما تحتكم من المهر ، فعمل على قصد ابن عم له موسر باليمن ، فجاء إلى عمه وامرأته فأخبرهما بقصده وعزمه ، فصوباه ووعداه ألا يحدثا حدثا حتى يعود .
وودع عفراء والحي ، وصحبه فتيان كانا يألفانه ، وكان طول سفره ساهيا حتى قدم على ابن عمه فعرفه حاله ، فوصله وكساه وأعطاه مائة من الإبل ، فانصرف بها ، وقد كان رجل من أهل الشام قد نزل في حيّ عفراء ، فنحر وأطعم ورأى عفراء فأعجبته ، فخطبها
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 354
مساهمون: ابن الجوزي
ص٣٥٤