إلى أبيها فاعتذر إليه وقال : قد سميتها باسم ابن أخي ، فما لغيره إليها سبيل ، فقال له :
إني أرغبك في المهر ، فقال : لا حاجة لي في ذلك ، فعدل إلى أمها فوافق عندها قبولا ورغبة في المال ، فجاءت إلى زوجها ، فقالت : وأي خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه ، والله ما تدري أعروة حيّ أم ميت ، وهل ينقلب إليك بخير أم لا ، فتكون قد حرمت ابنتك خيرا حاضرا ، فلم تزل به حتى قال : إن عاودني خاطبها أجبته ، فوجهت إليه : أعد غدا خاطبا ، فنحر جزورا وأطعم ووهب وجمع الحيّ على طعامه وفيهم أبو عفراء ، وأعاد الخطبة فزوجه وحولت عفراء إليه ، فقال قبل أن يدخل بها : يا عروة إن الحيّ قد نقضوا عهد الله وحاولوا الغدران .
ثم دخل بها زوجها وأقام فيهم ثلاثا ثم ارتحل إلى الشام ، وعمد أبوها إلى قبر عتيق ، فجدده وسواه ، وسأل أهل الحيّ كتمان أمرها ، وقدم عروة بعد أيام ، فنعاها أبوها إليه وذهب به إلى ذلك القبر ، وكان يختلف إليها أياما حتى أخبرته جارية / من الحيّ الخبر ، فركب بعض إبله فدخل الشام فنزل على الرجل وهو لا يعرفه ، فأكرمه ، فقال لجارية لهم : هل لك في يد تولينيها ؟ قالت : نعم ، قال : تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك ، فقالت : سوءة لك ، أما تستحي من هذا القول ، فأمسك ثم أعاد عليها ، وقال : ويحك هي والله بنت عمي ، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها فإن أنكرت عليك فقولي : اصطبح ضيفنا قبلك ولعله سقط منه ، فرقت الأمة وفعلت ، فلما رأت عفراء الخاتم قالت :
أصدقيني فأصدقتها ، فلما جاء زوجها قالت : أتدري من ضيفك ؟ إنه عروة بن حزام ، وقد كتم نفسه حياء منك ، فبعث إليه وعاتبه على كتمانه نفسه ، وقال له : بالرحب والسعة نشدتك الله إن رمت هذا المكان أبدا ، وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان ، وأوصى خادما له بالاستماع عليهما وإعادة ما يسمعه منهما .
فلما خليا تشاكيا ما وجدا من الفراق وطالت الشكوى وهو يبكي أحرّ بكاء ، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه ، فقال : والله ما دخل جوفي حرام قط ، ولا ارتكبته منذ كنت ، ولو استحللت حراما كنت قد استحللته منك وأنت حظي من الدنيا وقد ذهبت مني وذهبت منك ، فما أعيش بعدك ، وقد أجمل هذا الرجل الكرم وأحسن ، وأنا أستحي منه ، وو الله لا أقيم بعد علمه بمكاني ، وإني لعالم أني أرحل إلى منيتي . فبكت وبكى وانصرف .
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 355
مساهمون: ابن الجوزي
ص٣٥٥