وإنّما جعلنا هذه المرحلة من المعالجة في أصل الصدور ، لكونها خارجةً عن
مرحلة السَنَد ، لأنّ السَنَد قد يكون صحيحاً ، حَسَبَ الاصطلاح ، لكنّ المتنَ يكون مضطرباً ، ولا يمكنُ ان يكون بصورته المضطربة صادراً من المعصوم ، الذي لا بدّ أن تكون عبارتُه صحيحةً لغةً ، وتتمتّعُ بالبلاغة والأداء الصحيح ، وبعيداً عن التشويش المؤدّي إلى عدم الفهم أو عُسره وإبهامه وتشابُهه ، في باب الأحكام الشَرعيّة ، المطلوبة للعمل .
فلا ينافي سقوط الرواية بالاضطراب ، أن تكون صحيحة السند .
قال السيّد في سند روايةٍ :
إنّها صحيحة من حيث السند ، ولكنْ في متنها نحوُ اضطرابٍ ( 113 ) .
وقال :
هذه الروايةُ - وإن كانتْ اظهرَ من سابقتها في الدلالة . . - لكنّها مغشوشة
من حيث العبارة ، وكانّ الراوي لم يكن بصيراً بأُسلوب كلام العرب ( 114 ) .
وقد أكّدَ على هذا المعنى ، مبيّناً وجهَ وقوع الاضطراب في الحديث ، فقال - عن بَشِير النَبّال - :
إنّه قليلُ الرواية جدّاً ، فيُعلمُ من ذلك عدم كونه من فقهاء الأصحاب من
قبيل ابن مسلم وابن جابر ، فإنّ ضبط العاميّ - وإن كانَ وَرِعاً جدّاً -
لا يُقاسُ بضبط الفقيه المطّلع ، كيفَ ؟ واشتباهُ العوام ، وخطؤُهم في فهم ما
يسمعونه ، وضبطه ، أكثرُ من أن يُحصى ؟
وبَشير بن مَيْمُون ، واخوه شَجَرَة ، من أُسَراء العَجَم ، ولم يكونا من أهل
اللغة العربيّة العارفين بأساليبها ( 115 ) .
وهنا يجعلُ السيّد لنشاط الراوي القيمةَ الكبرى ، فأبرز الآثار - للراوي الأكثر
نشاطاً وروايةً ، واتّصالاً بالأئمّة : وأصحابهم البارزين - أن تكون له هذه الميزة ، وهي حصوله على الضبط والسَداد ، وبذلك يُقدَم حديثُه على ما يُعارضه إذا خلا المعارضُ عن مثل هذه الميزة .
هامش
113 ) البدر الزاهر ( 137 ) .
( 114 ) زبدة المقال ، الخمس ( ص 80 ) .
( 115 ) البدر الزاهر ( ص 287 - 288 ) .