مع انّ السيّد مالك لأزمّة علم الرجال وبقدرةٍ فائقة متميّزة ، ولعلَ في تعبيره
عن الروايات بالصحيحة تارةً ، بل حكمه على بعضها بأنّه في غاية الصحّة ، وكذا سائر الأحكام ، دليلاً واضحاً على تضلّعه ووقوفه على كلّ ما يلتزمه الآخرون في هذا المجال ، وإن خالفهم في المَنْهَج ، وفي تطبيق تلك الأحكام في مجال العمل والاستدلال .
ورابعاً ( 206 ) بموافقة العامّة :
إنّ ممّا لا ريبَ فيه هو تداخل الثقافات المتداولة لدى أهل المذاهب الإسلاميّة المتعدّدة ، لفرض وحدة الدين ، والإجماع على أُصوله الأساسيّة ، وعلى أهمّ فروعه ، ولوحدة الكثير من مصادر التشريع ونصوصها .
كما انّ الارتباط الوثيق بين رجالات المذاهب ، لاتّحاد البيئات ، كان له الأثرُ
العميق في تداخُل الثقافات ، وتبادُل المعارف والمعلومات ، وتناقُل الأفكار والآراء والنظريّات ، وتلاقحها ، ممّا أثرى الحضارة الإسلاميّة ، وكان من أسباب رقيّها وازدهارها ، بشكلٍ سريع ، وقويّ ، في العصور المتمادية من تاريخ الإسلام .
ولو اتّخذَ الدارسُ من الإنصاف دليلاً مرشداً ، لوجَدَ بأُمّ عينَيْه ، وبكلّ وضوحٍ :
انّ نقاط الاشتراك والوِفاق بين ثقافات المذاهب الإسلاميّة - سواء مصادرها أم آرائها - لهيَ أكثرُ من مواقع الافتراق والخلاف ، قطعاً . فالتقارب بيّن في أهمّ المصادر ، وعناوين المواضيع والمصطلحات العقائديّة ، والأحكام الشَرعيّة ، في أُصول الدين وفروعه ، وكلّ ذلك منضوٍ تحت الحقّ المجموع في كلمتي الشهادة بالإسلام : « لا إلهَ إلاّ اللهُ » و « محمّد رسولُ الله » .
وقد كان السيّد محدّثاً عظيماً وفقيهاً إماماً ومصلحاً كبيراً ، يؤكّدُ في كلّ هذه
الأصعدة على التقارُب بين المذاهب .
وقد اقدمَ عمليّاً على تأسيس أوّل دارٍ للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة ، في
تاريخ الإسلام كلّه ، وذلك في أكبر عاصمةٍ إسلاميّةٍ وهي « القاهرةُ » .
وكان في مشروعه هذا سابقاً جميعَ المصلحين المعاصرين ، في رفع عَلَم الوحدة الإسلاميّة ، وعلى ارفع مستوىً علميّ .
هامش
( 206 ) هذه هي المرحلة الرابعة من مراحل التضعيف الأربع التي ذكرناها في ( ص 78 ) فلاحظ .