وإذا أضفنا إلى ذلك تصريحه الآخر ، بانّ :
عدمَ تعرّض الشيخ الطوسيّ في فهرسته لبعض الرواة - باعتبار عدم كونه مصنّفاً - لا يدلّ على عدم كونه ثقةً عنده ( 205 ) .
مضافاً إلى قلّة « التوثيقات » الصريحة في التُراث الرجاليّ والمصادر الرجاليّة
الأُولى ، وضآلة عدد الموجود منها بالنسبة إلى زُرافات الرواة التي تعج بأسمائهم المعاجم الرجاليّة المتأخّرة ، وكذلك تزخَرُ بأسمائهم أسانيد الروايات المجموعة في الأُصول الحديثيّة ، حيث لم يَحْضَ بالتصريح بحالته الرجاليّة - أعمَ من التوثيق والتضعيف - سوى رُبْع المجموع منهم .
كلّ هذه الحقائق ، تؤكّد على ضرورة انتهاج مسلكِ القدماء في البناء على
الاكتفاء بالنقد الرجاليّ واللجوء إليه في الحالات النادرة فقط ، والاقتصار على التضعيف بالجهالة على القليل بل الأقلّ ، كما هو الحال في منهج السيّد البُروجِرديّ .
وعلى هذا يمكن الجزمُ بانّ ما نجده عند السيّد من التعبير عن مختلف الأحاديث والروايات بمثل : الرواية ، والخبر ، والصحيح ، والصحيحة ، والموثّقة ، والمعتبرة ، في ما يَحتج به منها ، وفي ما لا يَحتج به ، إنّما هو مشي في التعبير على ما هو متداول في الْسِنَة الفقهاء ، لا من أجل التزامٍ خاص بما اصطلحوا عليه ، ولا من أجل خصوصيةٍ تؤدّي إلى التقديم أو التأخير حسبَ تلك المصطلحات .
ويمكن استفادة ذلك بوضوح من انّه قد يرفع اليدَ عمّا تُدعى ب « الصحيحة »
عندما تكون الشُهْرةُ الفتوائيّة - التي هي عنده أوّلُ مراحل الترجيح - على خلافها .
ونراهُ يستدل بكلّ الأنواع المذكورة بسياقٍ واحد ونهجٍ متماثل ، فيناقشُ
دلالاتها ، ويوفّقُ بينها ، من دون تعرضٍ لخصوصياتها المصطلحة من حيث السند .
ويحاولُ الجمع بين الصحيحة والمرسلة أو الموثّقة - مثلاً - لأنّ الجمعَ عنده
أولى من الطرح قبل ان يستقرَ التعارض ، من دون تقديم الصحيحة ، لصحّتها .
وعندما يستقر التعارض ، يلجأ إلى المحاولات التي ذكرناها على الترتيب ،
والتي آخرها مسألة النقد السنديّ بالجهالة وعدم التوثيق .
هامش
( 205 ) نفس المصدر ( ج 2 ، ص 271 ) .